كتابات وآراء


الأربعاء - 02 سبتمبر 2026 - الساعة 11:45 ص

كُتب بواسطة : نبيل الأسيدي - ارشيف الكاتب



* في الأيام الماضية.. وأنا أتصفح صفحات التواصل.. لم أجد إلا المراثي.. لكن ما لفت انتباهي.. مراثي من نوع آخر.. ونعي مؤلم لمفاجأة لم يكن أحدهم يتوقعها.. كما حدث مع الزميل علي الفقيه وهو يتذكر اسم "يحيى ناصر".. مغترب في السعودية أفنى فيها أربعين عاماً ليعيل أطفاله ليكتشف أن ابنه قُتل مع الحوثي، ملتحقاً بأخيه الذي سبقه إلى الموت في جبهة أخرى.. والمفاجأة المؤلمة لم تنته بعد إذا به يكتشف أيضاً ابن صديقه وزميل دراسته "حميد المجعارة"، والذي كان خطيباً مفوهاً عشق زعيمه حتى التقديس، ثم انقلب خطيباً للحوثي، لِيُقتل بعدها على يد ابنه الأكبر العائد من إحدى الجبهات إثر خلاف عائلي بسيط.. وكذلك زميل آخر قرأت مرثاته لصديق عاش معه ثمانية عشر عاماً.. ليصله الآن خبر استُشهاده في جبهة الحدود..

* هذه المراثي الموجعة تحكي أكثر من الفقدان والرحيل.. ففيها من التفاصيل الصغيرة التي يكتبها الأصدقاء بأيدٍ مرتجفة.. لتصبح كل تلك الذكريات فجأةً في خانة "رحمه الله".. وهذا النزيف للكثير ممن كنا نعرفهم حوّل صفحات التواصل الاجتماعي إلى مقابر للذكريات والألم وكلما فتحت صفحة وجدت صورة شاب، ووراء الصورة كلمات رثاء.. صديق يكتب عن صديقه الذي غاب في جبهة.. وزميل يرثي زميله.. وجار يستعيد وجه جارٍ لم يعد.. وآخر يستعيد صورة قريب كان يجلس بينهم قبل أن تبتلعه الحرب والجبهات.. تلك الكلمات التي قرأتها لم أشعر أنها مجرد منشورات حزينة عن موتى.. لكنني شعرت أنها فتحت في قلبي نوافذ كثيرة لوجع مدفون تحت ركام الذكريات المكسورة..

* صفحات الأصدقاء لم تعد مساحات للحياة، بل تحوّلت إلى "مقابر رقمية" شاسعة. أطالع الرثاء تلو الرثاء.. عن جارٍ قديم كان يتقاسم معنا الخبز والضحكات، عن صديق مقعد الدراسة الذي يختفي فجأة لنجد صورته ببراقع سوداء، وعن أطفال ويافعين لم تنبت شواربهم بعد، يساقون جهارًا إلى حتفهم في جبهات الحوثي، ليُعادوا إلى أمهاتهم في صناديق خشبية ومغلقة باسم "الشهادة".. لقد بدت لي تلك المراثي وكأنها شهادة صامتة على حجم الخراب الذي مرّ على صدورنا جميعا.

* تخيلوا معي.. حارة كاملة تغيرت ملامحها لأن أبناءها ذهبوا ولم يرجعوا.. والذين حالفهم الحظ بالعودة لم يجدوا أحداً ممن كانوا يعرفونهم.. ولعل يوماً يأتي علينا فنبحث عن رفاق المدرسة، لنكتشف أن نصف المقاعد أصبحت فارغة.. ونسمع أسماء الراحلين من الأصدقاء أكثر مما نسمع أسماء الأحياء منهم.. ونعود للأماكن التي لعبنا فيها سوياً لنجدها قد تحولت إلى مقابر من ذكريات الأصدقاء والأحبة.. فحينما نودع صديقاً أو جاراً أو حبيباً نجد أننا نودع جزءاً من أرواح ذاكرتنا.. ونمر بين سطور المراثي، ونشم رائحة الفقد الخانقة، ونتذوق طعم "الحسرة" التي تُغصّ بها حناجرنا.

* يضج في رأسي سؤال واحد.. كيف سمحت الأسر بتسليم أكبادها للمحرقة؟.. وأعود بإجابات أكثر ضجيجا وتساؤلا.. أهو الفقر الذي أطعمهم الجوع وجعل الجبهة خيار الاستمرار الوحيد؟.. أم الخوف والتنكيل الذي يمارس ضد من يرفض؟.. أم هي جائحة التجريف العقائدي التي جعلت الموت مقصدًا والشهادة وهمًا يُباع للمعدمين؟.. أغسلت الشعارات والملازم عقول الصغار والرجال؟.. أساقهم الجهل إلى حتفهم.. أم أخذتهم الحاجة إلى جبهات الموت .. أم لعلهم ذهبوا لأنهم لم يجدوا في حياتهم طريقاً آخر.. وفي النهاية، أجدني مقتنعا أن الحرب لا تُسأل عن السبب.. ولا تهتم بالإجابة..

* في بلد كاليمن يصبح الفقر أحياناً أفضل مجند للحرب فأغلب من ذهبوا إلى الجبهات لم يذهبوا بحثاً عن الموت.. ذهبوا بحثاً عن راتب.. وطعام.. أو عن مخرج من حياة أغلقت أبوابها في وجوههم.. وتعتقد الأسر أنها بإرسال أبنائها إلى هناك .. أنها نجت من الموت جوعا .. وبدلا أن يصلهم أول راتب يأتي الخبر إلى المنزل.. "قُتل ابنكم".. جملة لا تحتاج فيها الأسر إلى شرح طويل.. ويبدأ صمت موجع في البيت.. ويستعيد الجميع تفاصيل أحبائهم الراحلين.. طريقة مشيتهم وضحكاتهم وغضبهم والذكريات معهم وما تبقى لهم من ملابس.. وربما آخر رسالة أرسلها قبل أن يذهب.. وبعد أيام تبدأ المراثي والحزن الذي يزول رويدا رويدا لينتهي صورة معلقة في الجدار.

* في الحرب، لا يموت الأصدقاء فرادى، بل يأخذون معهم ضحكاتنا المشتركة، أسرارنا الصغيرة، خطط مستقبلنا المؤجلة.. وقصص طيشنا التي لم نكملها بعد.. تعرفون ما أخشاه في هذه الحرب اللعينة.. ليس الموت وحيدا شريدا بل أن أعيش دون أولئك الأصدقاء والجيران والرفاق والأحباب الذين جعلوا من أيامي أمراً يستحق العيش فيها.. وأن يأتي وقت لا أستطيع أن أختار فيه الأصدقاء الأوفياء، والجيران الطيبين، ورفاق العمل الضاحكين.. لم أعد أخشى سوى أن تصبح روحي كتابا للذكريات والفقدان المر... وأن يحل الصمت القاتل الذي يخبرك أنك الآن وغدا .. أصبحت وحيدا.

* النجاة في الحروب ليست دائماً مكافأة.. أحياناً تكون نوعاً آخر من العقوبة.. أن تبقى حياً، وتحمل معك كل الذين لم يستطيعوا البقاء.. وتمشي غريبا في شارع كان مليئا بعبث الأصدقاء.. وتعود لقريتك لترى وجوها لا تعرفها.. فمن كنت تعرفهم أخذت الحرب وجوههم وأبقت لك الذكريات.

والآن لم يعد يكفينا كتابات الرثاء والذكريات.. نريد شيئا واحدا.. أن يتوقف نزيف الأصدقاء والرفاق والأحباب.. وأن تتوقف الصفحات عن استقبال أسماء جديدة في مقابرها.. وأن ينتهي زحام الجنازات والموت الكثير.
#صحيفة_النداء