عرب وعالم

الإثنين - 07 سبتمبر 2026 - الساعة 06:31 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


لم تكن السيطرة على حمرة الوز في شمال كردفان مجرد مكسب ميداني جديد في حرب السودان، بقدر ما جاءت في سياق تحرك عسكري أوسع يهدف إلى تثبيت نفوذ الجيش على شبكة الطرق والمحاور التي تربط وسط البلاد بغربها. فالموقع الذي سيطر عليه الجيش والقوات المتحالفة معه في محلية جبرة الشيخ يمثل نقطة إضافية في نطاق التأمين المحيط بجبرة الشيخ وبارا، كما يعزز حماية طريق الصادرات، أحد المحاور الرئيسية للحركة بين شمال كردفان والعاصمة الخرطوم.

وتأتي أهمية التطور من كونه امتداداً لهجوم بدأه الجيش في شمال كردفان منذ أواخر يوليو، عندما استعاد مناطق واسعة وسيطر على طريق الصادرات، ما دفع قوات الدعم السريع إلى التراجع نحو مواقع في أم بادر وسودري وحمرة الشيخ والمزروب، في اتجاه المناطق الأقرب إلى دارفور.

وتكشف التطورات في شمال كردفان أن السيطرة على الطرق أصبحت جزءاً أساسياً من المعركة بين الجيش والدعم السريع.

ففي حرب واسعة المساحة مثل الحرب السودانية، لا تقتصر أهمية الطريق على حركة المدنيين والتجارة، وإنما تمتد إلى الإمداد العسكري ونقل القوات والمعدات وقدرة كل طرف على الحفاظ على مواقعه وربطها بالمناطق الخلفية.

ومن هذه الزاوية، تصبح حمرة الوز مهمة لأنها توسع المجال الذي يستطيع الجيش تأمينه حول طريق الصادرات، بدلاً من التعامل مع الطريق باعتباره ممراً منفرداً معرضاً للهجمات والاختراق.

وكان الجيش قد أعلن في يوليو استعادة طريق الصادرات الذي يربط الخرطوم بشمال كردفان، بعد السيطرة على مناطق بينها جريجخ وبارا وجبرة الشيخ وأم سيالة. وتظهر السيطرة الجديدة على حمرة الوز أن العملية لم تتوقف عند تأمين الطريق نفسه، وإنما تتجه إلى إنشاء نطاق أمني أوسع حوله.

وتكتسب حمرة الوز أهميتها من موقعها في محيط جبرة الشيخ وبارا، وهما منطقتان أصبحتا جزءاً من قاعدة الانتشار التي يتحرك منها الجيش غرباً في شمال كردفان.

وبحسب تقارير ميدانية، أدى سقوط حمرة الوز إلى توسيع الرقعة التأمينية حول جبرة الشيخ وبارا، وتعزيز حماية حركة المواطنين والبضائع على طريق الصادرات. كما تحدثت مصادر عسكرية عن انتشار الجيش والقوة المشتركة في عدد من المناطق بعد السيطرة على البلدة بهدف تأمين المدن والطرق الرئيسية.

وهنا تتجاوز أهمية الموقع حدوده الجغرافية المباشرة. فالجيش لا يحتاج فقط إلى السيطرة على بلدات جديدة، وإنما إلى الاحتفاظ بها وربطها بشبكة من المواقع التي تمنع قوات الدعم السريع من إعادة التسلل إلى خطوط الحركة والإمداد.

وبالتالي، فإن الاختبار الحقيقي للسيطرة على حمرة الوز سيكون في قدرة الجيش على تحويل المكسب الميداني إلى نفوذ مستقر على الطرق.

ويكتسب التطور أهمية إضافية مع حديث مصادر عسكرية عن استعداد الجيش للتحرك باتجاه محلية سودري، إحدى أكبر محليات شمال كردفان، بعد تعزيز انتشاره في جبرة الشيخ وبارا.

وإذا استمر هذا المسار، فإن حمرة الوز ستكون أقرب إلى محطة في عملية أوسع لإبعاد قوات الدعم السريع عن وسط وشمال كردفان، ودفعها باتجاه مواقعها في غرب الولاية والمناطق المتاخمة لدارفور.

وهنا يصبح اتجاه العمليات مهماً بقدر أهمية السيطرة على البلدة نفسها: الجيش يتحرك من تأمين الطريق إلى توسيع نطاق السيطرة حول الطريق، ثم إلى محاولة دفع خطوط الدعم السريع غرباً.

لكن نجاح هذا المسار سيبقى مرتبطاً بقدرة الجيش على حماية خطوطه الجديدة، خصوصاً مع اعتماد قوات الدعم السريع بدرجة كبيرة على الحركة السريعة والهجمات على خطوط الإمداد.

تزداد أهمية هذه التحركات لأن إقليم كردفان بات واحداً من أكثر المسارح أهمية في الحرب السودانية. فالإقليم يقع بين مناطق سيطرة الجيش في الوسط والشمال ومناطق النفوذ التي تتمتع بها قوات الدعم السريع وحلفاؤها باتجاه دارفور.

وبالتالي فإن السيطرة على طرق كردفان لا تعني فقط تحسين الوضع العسكري في ولاية شمال كردفان، بل تؤثر في قدرة الطرفين على نقل قواتهما وإمدادها بين وسط السودان وغربه.

ولهذا تتركز العمليات الحالية على مجموعة من البلدات والمحاور بدلاً من مدينة واحدة. فكل موقع جديد يسيطر عليه أحد الطرفين يمكن أن يتحول إلى نقطة انطلاق أو حاجز أمام حركة الطرف الآخر.

ومن هذه الزاوية، فإن حمرة الوز لا تبدو مركز الثقل الأكبر في حرب السودان، لكنها تكتسب قيمتها من موقعها داخل شبكة أكبر من المحاور.

بالنسبة إلى قوات الدعم السريع، يؤدي اتساع نطاق انتشار الجيش حول جبرة الشيخ وبارا وتأمين طريق الصادرات إلى تقليص مساحة الحركة في شمال كردفان.

لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن خسارة البلدة ستؤدي وحدها إلى تغيير جذري في ميزان الحرب. فقوات الدعم السريع لا تزال تمتلك مساحات واسعة من الحركة في غرب البلاد، كما أن طبيعة الحرب تجعل السيطرة على المدن والطرق قابلة للتغير إذا لم تدعمها قدرة مستدامة على الدفاع والإمداد.

لذلك فإن القيمة العسكرية للسيطرة على حمرة الوز ستتحدد خلال المرحلة المقبلة: هل يستطيع الجيش الاحتفاظ بها وربطها بالمواقع التي سيطر عليها سابقاً، أم تتمكن قوات الدعم السريع من الضغط على خطوط الإمداد وإجباره على توزيع قواته على مساحة أوسع؟

هذا هو التحدي الأساسي أمام الجيش في المرحلة المقبلة.

فالسيطرة على طريق أو بلدة في حرب السودان لا تنتهي لحظة رفع العلم أو خروج القوات المنافسة. القيمة الحقيقية تبدأ بعد ذلك، عندما يصبح الطريق آمناً أمام الحركة التجارية والعسكرية، وتتمكن القوات من حماية المواقع الجديدة، وتتحول المناطق المستعادة إلى قاعدة للتقدم التالي.

ومن هنا تبدو حمرة الوز جزءاً من استراتيجية تقوم على تثبيت النفوذ قبل توسيعه.

فالجيش سبق أن استعاد جبرة الشيخ وبارا وطريق الصادرات، ثم أضاف حمرة الوز إلى هذا النطاق. وإذا تمكن من الحفاظ على هذا الخط وتوسيعه باتجاه سودري، فقد يصبح شمال كردفان أكثر ارتباطاً بمناطق سيطرته في الوسط، وأقل تعرضاً للاختراق من الغرب.

وفي المقابل، ستسعى قوات الدعم السريع إلى منع تحول هذا الانتشار إلى واقع ثابت، خصوصاً أن السيطرة على طرق الحركة يمكن أن تؤثر في قدرتها على المناورة بين كردفان ودارفور.

لذلك فإن قراءة السيطرة على حمرة الوز باعتبارها «سقوط مدينة» فقط تقلل من دلالتها العسكرية، فيما وصفها بأنها نقطة تحول حاسمة في الحرب قد يكون مبالغاً فيه.

الأدق أنها حلقة في معركة أوسع على جغرافيا الحركة والإمداد في كردفان.

فالجيش يحاول منذ يوليو تثبيت ممراته من الخرطوم نحو شمال كردفان، ثم توسيع نطاق الحماية حولها، بينما تواجه قوات الدعم السريع ضغوطاً متزايدة في بعض محاور شمال الولاية وتعيد تموضعها باتجاه الغرب.

ومن هنا تكمن أهمية حمرة الوز: ليست لأنها تحسم حرب السودان بمفردها، وإنما لأنها تشير إلى أن المعركة في كردفان تتحول تدريجياً من صراع على البلدات إلى صراع على الطرق التي تحدد من يستطيع التحرك، ومن يستطيع الإمداد، ومن يملك القدرة على مواصلة الحرب في المرحلة التالية.