عرب وعالم

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 07:26 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


بدأ المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، مراجعة شاملة لعقود الإنتاج المشترك السارية في القنوات الخاصة، مع توجيه بإيقاف أي برامج مخالفة فوراً. يأتي ذلك على خلفية شكاوى متكررة تتعلق بظاهرة "تأجير الهواء" أو "بيع الهواء"، التي سمحت لسنوات بظهور أشخاص غير مؤهلين وتقديم محتوى يفتقر إلى المعايير المهنية.

وتتمثل الظاهرة في قيام بعض القنوات الفضائية، خاصة ذات التصنيف الأقل، بتأجير ساعات بث أو فقرات برامجية مقابل مبالغ مالية تتراوح غالباً بين بضعة آلاف من الجنيهات للساعة الواحدة حسب التوقيت والقناة.

ويستغل ذلك أفراد أو شركات لترويج أنفسهم أو منتجاتهم أو أفكارهم دون الالتزام بشروط النقابة أو الضوابط المهنية، مما أدى إلى انتشار برامج ضعيفة، واستضافات مثيرة للجدل، وإعلانات طبية غير منضبطة، وأحياناً محتوى يثير الشائعات أو يضر بالمصلحة العامة.

ووصف مراقبون وإعلاميون هذه الممارسة بأنها تحول الشاشة إلى منصة قابلة للشراء، تهدد مصداقية الإعلام وتغرق الجمهور بمحتوى رديء.

القانون رقم 180 لسنة 2018 بشأن تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام لا يحظر تأجير مساحات البث بشكل مطلق، لكنه يقيده بشروط صارمة. تنص المادة 63 على أنه لا يجوز تأجير مساحات البث داخل الوسائل الإعلامية المرخص بها إلى الغير إلا بتصريح يصدر من المجلس الأعلى وبعد موافقة الجهات المعنية المختصة. كما يلزم القرار التنظيمي الصادر عام 2018 المؤسسات الراغبة في ذلك بالحصول على موافقة مسبقة، مع الالتزام بمواثيق الشرف وضمان جودة المحتوى وعدم استخدام الوسيلة في التحريض أو الشائعات أو المصالح الشخصية البعيدة عن الصالح العام.

ورغم وجود هذه الضوابط منذ سنوات، استمرت المخالفات بسبب ضعف التطبيق في بعض الحالات. وفي أغسطس 2026، وافق المجلس على توصية لجنة الشكاوى بمراجعة جميع عقود الإنتاج المشترك التي تكون القنوات الخاصة طرفاً فيها.

واستند القرار إلى شكوى ضد قناة "الشمس" تتعلق ببرنامج "مختلفة"، وامتد ليشمل متابعة أوسع. كشفت تقارير الإدارة العامة للرصد عن وجود 21 برنامجاً من هذا النوع تُبث عبر ست قنوات فضائية، فوجه المجلس خطابات رسمية إلى الممثلين القانونيين لهذه القنوات للحضور وتقديم نسخ العقود لمراجعتها والتحقق من توافقها مع الضوابط القانونية.

ويقول مراقبون إن الهدف المعلن هو تعزيز الشفافية، وحماية الحقوق التعاقدية، والحفاظ على المستوى المهني لمقدمي البرامج، وترسيخ ممارسات إعلامية رشيدة تصون ثقة الجمهور.

وتعكس هذه الإجراءات تحولاً في أداء المجلس الجديد الذي تشكل أواخر 2024. ففي تصريحات سابقة، أكد رئيس المجلس خالد عبد العزيز أنه "لا يوجد ما يسمى بيع الهواء" بموجب القانون، وأن المسؤولية تقع على القنوات ونقابة الإعلاميين في إصدار تصاريح العمل.

وسبق ذلك مناقشات في لجنة الإعلام بمجلس النواب حول الظاهرة وظهور غير المتخصصين، وتوصيات بوضع ضوابط حاسمة.
ويرى مراقبون أن التطبيق الصارم هذه المرة قد يحد من الفوضى، خاصة إذا اقترن بتنسيق مع نقابة الإعلاميين لتشديد شروط الظهور والتدريب، ومراجعة المحتوى بشكل دوري.

ومثّل تأجير الهواء مصدر دخل سريعاً لقنوات تعاني ضغوطاً مالية، لكنه جاء على حساب الجودة والاستدامة. كما ساهم في تآكل الثقة بين الجمهور والإعلام، وأفسح المجال لمحتوى قد يؤثر سلباً على القيم أو ينشر معلومات مضللة.

وأضر الأمر بمكانة الإعلاميين المؤهلين، إذ أصبح اللقب متاحاً لمن يدفع. التحدي الأكبر يكمن في التنفيذ المستمر دون تعطيل الإنتاج المشروع أو التأثير على حرية الإعلام المسؤولة، مع ضرورة التمييز بين الإنتاج المشترك المنضبط والتأجير العشوائي.

وإذا نجحت هذه المراجعة في وقف المخالفات وترسيخ الموافقات المسبقة، فإنها قد تمثل نقطة تحول نحو إعلام أكثر انضباطاً ومهنية.

وينتظر الجمهور محتوى يرقى إلى مستوى المسؤولية، والقنوات مطالبة بالالتزام بالقواعد بدلاً من الاعتماد على حلول سهلة.

وستحدد الخطوات المقبلة للمجلس، سواء بوقف برامج أو فرض عقوبات أو وضع آليات رصد أدق، ستحدد مدى قدرة المنظومة على استعادة التوازن بين الحرية والتنظيم في المشهد الإعلامي المصري.