عرب وعالم

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 07:19 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


لم يكن غياب مصر عن «اتفاقية مكة» للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان مجرد تفصيل بروتوكولي في مشهد أمني إقليمي يتغير بسرعة. فالقاهرة، التي لطالما كانت حاضرة في ترتيبات الأمن العربي، وجدت نفسها هذه المرة خارج نواة تحالف دفاعي جديد تقوده الرياض، رغم أن موقعها وثقلها العسكري والسياسي يجعلانها مرشحاً طبيعياً للانضمام إليه.

والأهم أن الغياب المصري جاء في لحظة تتداخل فيها حسابات الأمن مع تعقيدات العلاقات الخليجية، خصوصاً بين السعودية والإمارات. ولذلك تبدو المسألة بالنسبة إلى القاهرة أكبر من اتفاقية دفاعية؛ إنها اختبار لقدرتها على الحفاظ على مسافة واحدة من حليفين خليجيين أساسيين، من دون أن تتحول إلى طرف في خلافاتهما التي قد تختفي في أي وقت بقرار سياسي.

ووقعت السعودية وتركيا وباكستان الاتفاقية في مكة في 7 أغسطس/آب، وتنص في جوهرها على اعتبار أي هجوم مسلح على إحدى الدول الثلاث هجوماً عليها جميعاً، بما يعكس انتقال التعاون بينها من مستوى التنسيق السياسي والعسكري إلى إطار دفاعي جماعي. وقد جاءت الاتفاقية بعد نحو عام من المفاوضات، وفي ظل تصاعد المخاوف الأمنية في المنطقة.

لكن القاهرة لم تكن غائبة تماماً عن الحسابات التي سبقت الاتفاقية فقد شاركت طوال الأشهر الماضية في معظم الاجتماعات الوزارية التي مهدت لولادة الإطار الثلاثي، ما عزز الاعتقاد بأنها ستكون أحد أركانه. كما قال وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إن مصر يمكن أن تنضم إلى الاتفاقية مستقبلاً بعد معالجة بعض المسائل الفنية، كما أشار إلى أن الهدف هو توسيع الاتفاقية وعدم إبقائها محصورة في الدول الثلاث المؤسسة.

وهذه الإشارة مهمة؛ لأنها تعني أن عدم وجود مصر في النسخة الأولى من الاتفاقية لا ينبغي تفسيره بالضرورة على أنه رفض مصري نهائي. لكنه في الوقت نفسه يكشف أن القاهرة لم تكن مستعدة، أو لم تكن قادرة، على اتخاذ قرار الانضمام في لحظة تأسيس التحالف.

هنا تبدأ السياسة المصرية في الظهور بوضوح.

فمصر لا تريد أن تخسر السعودية، الدولة التي تمثل بالنسبة إليها شريكاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً بالغ الأهمية، لكنها لا تريد في الوقت نفسه أن تضع نفسها في موقع الخصم للإمارات، التي تطورت علاقاتها بالقاهرة خلال السنوات الماضية إلى شراكة واسعة في الاستثمار والاقتصاد والسياسة والأمن.

وبالتالي، فإن الانضمام إلى اتفاقية مكة في صيغتها الحالية يمكن أن يحمل كلفة سياسية أكبر من مجرد توقيع وثيقة دفاعية.

وعلى الأرجح أن القاهرة تفضل إبقاء الباب مفتوحاً أمامها، وهو ما يفسر الحديث التركي عن إمكانية انضمامها لاحقاً. فعدم التوقيع الآن يمنح مصر مساحة للمناورة، بينما الانضمام في مرحلة لاحقة، إذا اتضحت طبيعة الاتفاقية وتوازناتها، قد يكون أقل كلفة سياسياً.

هناك عامل آخر لا يقل أهمية: وهو طبيعة الالتزام العسكري الذي تفرضه الاتفاقية.

فالانضمام إلى ترتيبات دفاع جماعي يعني أن القاهرة قد تجد نفسها، في ظروف معينة، مطالبة باتخاذ موقف عسكري لا يتطابق بالضرورة مع حساباتها الوطنية المباشرة.

وهذه نقطة شديدة الحساسية بالنسبة إلى مصر، التي تحاول منذ سنوات إعادة تعريف أولوياتها الأمنية على أساس حماية مصالحها المباشرة، خصوصاً الأمن القومي في ليبيا والسودان والبحر الأحمر وشرق المتوسط وغزة. لذلك قد تفضل القاهرة التعاون العسكري الثنائي والآليات المرنة، بدلاً من الدخول سريعاً في مظلة دفاع جماعي يمكن أن تحد من هامش حركتها.

كما أن إعلان تركيا أن الاتفاقية لا تستهدف دولة بعينها، وأنها لا تستهدف إيران تحديداً، لا يلغي أن طبيعة التحالف ستخضع حتماً لقراءة جيوسياسية أوسع في المنطقة.

لهذا يبدو الخيار المصري أقرب إلى سياسة الانتظار النشط. القاهرة لا تقول «لا» للسعودية، لكنها لا تقول «نعم» الآن.

وهي لا تريد خسارة التعاون الوثيق مع الإمارات، لكنها في الوقت نفسه لا تريد إغلاق الباب أمام الرياض.

وهذا يفسر لماذا يبدو الحديث التركي عن انضمام مصر لاحقاً أكثر أهمية من غيابها عن النسخة الأولى. فالقاهرة تستطيع، عبر تأجيل القرار، مراقبة اتجاه الاتفاقية: هل ستتحول إلى نواة تحالف إقليمي واسع؟ هل ستبقى إطاراً ثلاثياً؟ هل ستتوسع لتشمل دولاً عربية أخرى؟ وما طبيعة الموقف الأميركي والإسرائيلي والإيراني منها؟

كل هذه الأسئلة ستؤثر في الحساب المصري.

وفي المحصلة، فإن مصر لا تبدو خارج المعادلة الجديدة بقدر ما تبدو ممسكة بمسافة بينها وبين أطرافها.

لكن هذه السياسة تحمل مخاطرة أيضاً. فإذا تحولت اتفاقية مكة إلى نواة لتحالف أمني عربي وإسلامي واسع، فقد تجد القاهرة نفسها أمام كلفة التأخر عن الانضمام. أما إذا بقيت الاتفاقية محكومة بتوازنات سعودية-تركية-باكستانية محددة، فقد يكون قرار الانتظار قد منح مصر ما تريده بالضبط: الحفاظ على علاقاتها مع الجميع، من دون الالتزام الكامل مع أي محور.