منوعات

الأربعاء - 12 أغسطس 2026 - الساعة 07:24 م بتوقيت اليمن ،،،

إبراهيم الزبيدي


أعرف صدام حسين من كتب التاريخ، ولا من صور الصحف، ولا من خلف جدران القصور.

عرفته قبل كل ذلك.

عرفته في تكريت، وفي العوجا، وعلى ضفاف دجلة. عرفته صبيًا يشاركنا اللعب والمشاكسات، ويذهب معنا في رحلات صغيرة إلى بيت أمه، ويجلس معنا على الحصير في ليالي الصيف. كنا أطفالًا، ولم نكن نعرف أن واحدًا منا سيصبح يومًا رئيسًا للعراق، وأن اسمه سيصبح مرتبطًا بتاريخ طويل من السلطة والحروب والخوف.

ولذلك فإن ما أرويه هنا ليس محاولة لكتابة سيرة صدام من نهايتها إلى بدايتها، ولا محاولة لإثبات أن الحاكم الذي عرفه العراق كان موجودًا كاملًا في ذلك الصبي الذي عرفته.

الأطفال يكبرون، والناس تتغير، والسلطة قادرة على أن تعيد تشكيل الإنسان.

لكن بعض المشاهد لا تموت.

تبقى في الذاكرة لأنها كانت، يومًا ما، جزءًا من حياة عادية جدًا.

ثم تأتي السنوات، فتمنحها معنى لم يكن لها في ذلك الوقت.

تكريت والعوجا

كانت تكريت في الخمسينيات مدينة صغيرة، متشابكة العائلات والعشائر، يعرف أهلها بعضهم بعضًا، وتدخل صلات القرابة والزواج في تفاصيل الحياة اليومية.

أما العوجا فكانت حالة مختلفة.

ومن هنا بدأت، في وقت مبكر، تلك المسافة بين المكانين التي تحدثت عنها كثيرًا في مذكراتي. فمن الظلم تحميل تكريت كلها تبعات ما فعلته عائلة صدام، لأن الفوارق كبيرة بين أهل المدينة وأهل العوجا. لكن بالنسبة إلينا نحن الأطفال، لم تكن المسألة بهذه الصورة.

كان هناك نهر.

وكان هناك زورق.

وكان هناك صديق اسمه صدام.

كنا نسافر إلى العوجا لزيارة أمه صبحة. وكان الذهاب مع تيار دجلة رحلة جميلة، أما العودة فكانت مختلفة تمامًا؛ إذ كان علينا أن نسحب الزورق عكس التيار لمسافة طويلة، ونتناوب على هذه المهمة الثقيلة.

في تلك الرحلات رأيت صدام كما يراه صديق لا كما يراه المؤرخ.

ورأيت أيضًا البيئة التي خرج منها.

صبي نحيف… لكنه لا يخاف

كان صدام، نحيفًا وضعيف البنية في تلك السنوات. وفي إحدى ألعاب رمي الحجر، أفلت حجر ثقيل من يدي، مرة، وأصاب صدام في رأسه، فسقط أرضًا. خفنا من أن يموت أو يصاب بأذى، وعندما أفاق طلب منا أن نقول للأقارب إنه سقط على حجر، حتى لا أتعرض للانتقام.

قد تبدو الحادثة صغيرة.

لكنها تذكرنا بشيء مهم:

الصبي الذي أصفه اليوم لم يكن دائمًا صورة واحدة.

كان يستطيع أن يكون قاسيًا في بعض المواقف، لكنه كان أيضًا قادرًا على حماية صديقه من عواقب حادث لم يتعمده.

وهذا بالضبط ما يجعل شهادة الطفولة أكثر أهمية من محاولة رسم شخصية سوداء وبيضاء.

البحر، السمك، والمغامرة

كانت هوايتنا صيد السمك. وأذكر أن صدام كان أكثر جرأة من الآخرين في النهر، وأنه كان يعرف كيف يصنع وسيلة متفجرة بدائية لصيد السمك، وكان يدخل إلى الماء بعيدًا عن الشاطئ ويستخدمها بينما يقف الآخرون في انتظار السمك الطافي.

ما يلفت النظر هنا ليس طريقة الصيد، وإنما الجرأة والمخاطرة، منذ تلك السن.

لكن مرة أخرى، لا ينبغي تحويل هذه المغامرة إلى نبوءة سياسية.

كنا أطفالًا نلعب ونغامر.

حرب الأطفال

ومن أغرب ما بقي في ذاكرتي تلك “الحروب” التي كانت تنشب بين أولاد العوجا وأولاد تكريت.

لم تكن حربًا حقيقية، لكنها كانت منظمة كما لو كانت معركة.

مواقع، قادة، تحالفات، مراقبة، خداع، هجوم وتراجع.

وفي إحدى تلك المواجهات، أذكر أن صدام كان قائد فريق أهل العوجا، بينما كان خالد فارس الخشماني يقود فريق التكارتة.

كانت قيادة صدام تقوم على الاندفاع والهجوم، بينما كان مساعده هزاع فيزي الهزاع أكثر حذرًا، وحذره من الوقوع في خدعة. لكن صدام لم يستطع مقاومة الإغراء، ولم يستمع إلى النصيحة. فاندفع.

وكانت النتيجة هزيمة فريقه هزيمة كبيرة، حتى جرى عزله من القيادة وتعيين مساعده مكانه.

الصبي الذي يريد القيادة ليس بالضرورة قائدًا جيدًا.

قد يكون جريئًا، مندفعًا، واثقًا من نفسه، لكنه قد يرفض النصيحة أيضًا.

أنا هنا لا أحاول تحويل هذه اللعبة إلى نبوءة. أرويها كما عشتها.

“وجاهة”

ثم تأتي الورقة. ربما كانت مجرد لعبة أخرى من ألعاب الصغار.

جلسنا، على ضفة نهر دجلة، وكتب كل واحد منا كتب على ورقة واحدة ما يتمنى أن يكون عليه في المستقبل.

أمنيات عادية. واحد يريد أن يصبح طبيبًا. آخر يريد أن يصبح عسكريًا. وثالث يريد أن يصبح شاعرًا.

أما صدام فكان مختلفًا. لم يكتب اسم مهنة. لم يقل إنه يريد أن يصبح سياسيًا. لم يقل إنه يريد أن يصبح قائدًا. طلب، فقط، سيارة جيب، وبندقية صيد، وناظورًا. وحين سألناه عن السبب قال: وجاهة.

ربما كانت الكلمة مجرد مزحة صبي. وربما كانت تعبيرًا عن حلم بسيط في بيئة صغيرة.

لكنها، بعد كل ما حدث، أصبحت واحدة من أكثر الكلمات إثارة في ذاكرتي. فالصبي لم يقل: أريد أن أكون شيئًا. قال، أريد أن أبدو شيئًا. والفرق بين الأمرين يستحق التأمل.

الرجولة بلا عاطفة

كان عدنان يحب الغناء. وكان يردد أغنية لفايزة أحمد. أما صدام فكان يرفض هذا النوع من الغناء ويعده مظهرًا من مظاهر الميوعة، وكان يسخر من حديث عدنان وحديثي عن الحب والفتيات.

مرة أخرى، ليست هذه حادثة سياسية. وليست دليلًا على شيء حتمي. لكنها ترسم ملامح في ذاكرة صديق طفولته، صبي لا يحب إظهار العاطفة. صبي يربط الرجولة بالقوة والصرامة. صبي ينظر إلى بعض مظاهر الحياة الوجدانية باعتبارها ضعفًا.

وقد تكون هذه مجرد ثقافة جيل وبيئة اجتماعية. لكنها تظل جزءًا من الصورة التي حفظتها الذاكرة.

حين تصبح اللعبة عقابًا

وفي مرحلة أخرى، تتغير طبيعة الحكايات.

أتذكر حكاية خلاف مع رجل من أهل تكريت اسمه أبو علي مهندس ومحصل أجور الكهرباء. عاقب أبو علي، مرة، خال صدام، خير الله طلفاح، بسبب سرقة تيار الكهرباء في منزله. ثم تطورت الأمور إلى خطة لمعاقبته.

وشاركنا، صدام وعدنان وأنا في تنفيذ الخطة، وكان صدام هو الذي تولى معاقبة الرجل جسديًا، ثم تركناه مصابًا، وبقي في الفراش مدة طويلة، ثم غادر تكريت خائفا وغاضبا ولم يعد. هنا لم نعد أمام لعبة أطفال عابرة. نحن أمام سلوك أكثر خطورة.

ولهذا تصبح هذه الرواية واحدة من النقاط التي ينبغي التعامل معها بحذر شديد.

كاكا عزيز

ثم تأتي قصة أخرى أكثر حساسية.

كان عزيز مدرسًا كرديًا في ثانوية تكريت، وكان قوي الشخصية وشديد البأس.

بعد حادثة تعرض فيها شقيقه لإطلاق نار، اتُّهم صدام، لكن القضية سجلت ضد مجهول.

ولكن صدام أخبرني بعد ذلك بأنه هو الذي أطلق النار، وإنه أعاد السلاح والفرس إلى العوجا ثم عاد إلى منزل خالته ليلى طلفاح.

القتل الرباني

أتذكر فكرة ظلت تتردد في ذاكرتي منذ عام 1956. الفكرة تقوم على أن الفعل قد يكون جريمة في نظر القانون والمحكمة، لكن الفاعل لا يرى نفسه مذنبًا إذا اعتقد بأن القدر هو الذي دفعه إلى ارتكاب الفعل.

ثم يذهب التصور إلى أبعد من ذلك: العالم، في هذا الفهم، قائم على علاقات القوة؛ قوي وضعيف، شجاع وجبان، غني وفقير، سيد ورعية.

هنا تتوقف الذاكرة عن كونها مجرد حكاية. وتصبح فكرة.

صدام الذي رأيته… وصدام الذي عرفه العراق

عندما كنت معه لم أكن أعرف أنه سيصبح رئيسًا. لم أكن أعرف أن ذلك الصبي النحيف الذي يلعب معنا على ضفاف دجلة سيصبح بعد سنوات الرجل الذي يخشاه العراق كله.

لم أكن أعرف أن كلمة “وجاهة” التي قالها أمامنا ستأخذ يومًا معنى آخر.

لم أكن أعرف أن أحاديث القوة والضعف التي بدت لنا يومها مجرد كلام صبيان ستعود إلى الذاكرة بعد سنوات طويلة.

كنا نعيش يومنا.

نلعب.

نتشاجر.

نتصالح.

نركب الزورق.

نزور العوجا.

ونعود إلى تكريت.

ثم كبرنا.

وتفرقت بنا الطرق.

وبدأ صدام يتحرك في طريق مختلف.

لماذا بقيت هذه الصور؟

ربما لأن الإنسان لا يعرف قيمة اللحظة إلا بعد أن تصبح ماضيًا.

وأنا، شخصيا، أواجه مشكلة يعرفها كل من يكتب عن الماضي، وهي الصور القليلة.

فتكريت في الخمسينيات والستينيات لم تكن تعرف التصوير الاجتماعي كما نعرفه اليوم، وأن صور طفولة صدام وعدنان كانت نادرة جدًا، وأن كثيرًا من الصور اللاحقة ضاعت أو أُتلفتها خوفًا من أجهزة نظام صدام وأنا عازم على الهرب من العراق.

ولهذا تصبح الذاكرة نفسها وثيقة. ليست وثيقة رسمية. وليست بديلًا عن الوثائق. لكنها شهادة إنسان كان هناك. كان مع صدام ورأيت.

لا أقول إنني عرفت منذ البداية أنه سيكون دكتاتورًا. ولا أقول كان شريرًا منذ طفولته. ولا أقول إن كل ما فعله لاحقًا كان مكتوبًا في تلك السنوات الأولى.

أنا فقط أقول، كنت معه. ورأيت صبيًا يريد الوجاهة. ورأيت صبيًا يحب القوة ولا يحب أن يبدو ضعيفًا. ورأيت صبيًا يندفع أحيانًا ولا يسمع النصيحة. ورأيت صديقًا يستطيع، في لحظة، أن يحمي صديقه من خطأ غير مقصود. ورأيت مغامرًا على ضفاف دجلة. ورأيت قائدًا صغيرًا يخسر معركة من معارك الأطفال.

ثم رأيت، أو سمعت، أشياء أخرى أصبحت أكثر صعوبة في النسيان مع مرور السنوات.

لكنني لم أكن أعرف يومها أنني لا أعيش مجرد طفولة.

كنت أعيش، دون أن أعرف، بدايات حكاية ستصبح جزءًا من تاريخ العراق.

والفرق كبير بين من يقرأ التاريخ بعد أن يقع، وبين من كان واقفًا هناك، عندما كانت أحداثه لا تزال مجرد أيام عادية. كنت مع صدام… ورأيت. وهذه ليست نهاية الحكاية. بل هي بدايتها.

كاتب عراقي