منوعات

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 10:33 م بتوقيت اليمن ،،،

عبدالرحيم الشافعي


تدور أحداث فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية حول قصة مأساوية للطفلة الفلسطينية هند رجب، التي كانت تعيش في قطاع غزة وقتلت على يد الجيش الإسرائيلي خلال الغزو المستمر للقطاع، ويستعرض الفيلم الظروف الإنسانية الصعبة التي واجهتها الطفلة وعائلتها، مع التركيز على المأساة التي تعكس معاناة الشعب الفلسطيني.

الفيلم من سيناريو كوثر بن هنية، وإنتاج كل من نديم شيخوها وأوديسا راي وجيمس ويلسون، وبطولة كل من عامر حليحل وكلارا خوري ومعتز ملحيس وسجا كلاني. كما تولى خوان سارمينتو التصوير، بينما أشرف قتيبة برهمجي على التركيب.

أسلوب دراما الواقع
يطرح الفيلم حادثة تلقّي متطوعي الحركة الدولية للصليب الأحمر والهلال الأحمر نداءً طارئًا يفيد بأن الطفلة هند رجب كانت عالقة داخل سيارة أثناء الغزو المستمر لقطاع غزة، ليبني الفيلم على هذا الحدث سردًا دراميًا مؤثرًا يجمع بين الواقعية والتأثير الإنساني العميق.

يُصنف فيلم “صوت هند رجب” للمخرجة التونسية كوثر بن هنية ضمن أبرز إنجازات السينما الهجينة المعاصرة، إذ يندمج فيه الوثائقي الخالص مع الروائي المدروس بعناية فائقة، ليخلق تجربة سينمائية تتجاوز حدود الأجناس التقليدية وتصل إلى ما يُعرف بدراما الواقع، بمستوى من الدقة الأخلاقية والجمالية النادر، كونه يعتمد العمل أساساً على التسجيلات الصوتية الأصلية والمحفوظة لمكالمات الاستغاثة اليائسة التي أطلقتها الطفلة الفلسطينية هند رجب ذات الست سنوات تقريباً، مع فريق الهلال الأحمر الفلسطيني في التاسع والعشرين من يناير 2025، قبل أن تُقتل هي وأسرتها ومسعفون حاولوا الوصول إليها جراء قصف متعمد.

يحوّل الفيلم هذا الحدث المأساوي من خبر إعلامي عابر إلى شهادة سينمائية موثقة، مشحونة بالدلالات الإنسانية والسياسية والأخلاقية، فلا يكتفي بتوثيق الواقع، لأنه يُعيد تشكيله درامياً ليجبر المتفرج على مواجهة أبعاده الوجودية والمسؤولية الجماعية عنه.

تركز أحداث الفيلم على الساعات الطويلة والمميتة التي قضتها هند محاصرة داخل سيارة عائلتها المحطمة في حي تل الهوا جنوب غزة، محاطة بجثث أقاربها بعد قصف دمر كل شيء حولها. حين يُركز الصوت بدقة متناهية على جهود طاقم الإسعاف داخل غرفة الاتصالات، وهم يبذلون ما في وسعهم لتنسيق إرسال سيارة إسعاف تبعد حسب التقارير والتسجيلات دقائق معدودة فقط، بينما يصطدمون بعوائق بيروقراطية أمنية وقيود متعمدة تحول عملية الإنقاذ النظري الممكنة إلى تأجيل منهجي وممنهج يُسرع فعلياً نحو الموت.

يتحول الانتظار الممتد إلى عنصر بنيوي مركزي في السرد، يُكسب الفيلم قوة درامية استثنائية، إذ يُصبح الزمن نفسه شاهداً على العجز الهيكلي، والفشل الأخلاقي المتكرر، واللامبالاة المؤسسية التي تُحيل الإغاثة الإنسانية البسيطة إلى إجراء إداري/ سياسي يُؤجل أو يُعجل بالموت. إذ يُعمق هذا التركيز الشعور بالمسؤولية الجماعية، ويجعل المتفرج مشاركاً لا متفرجاً سلبياً في التأمل بما يعنيه أن يُترك صوت طفلة يتردد في الفراغ دون استجابة فورية وفعالة.

ويتبنى أسلوب دراما الواقع كإستراتيجية إخراجية واعية ومدروسة بعمق، يمزج بين الصوت الأصلي لطفلة خائفة، مرتجفة، متوسلة وبناء درامي شبه توثيقي لفضاء غرفة الاتصالات وطواقم الإسعاف بأداء تمثيلي منضبط ومؤثر من ممثلين فلسطينيين. وينتج هذا الدمج توتراً وجدانياً وعاطفياً مكثفاً للغاية، ويُعيد إحياء الواقعة كمعلومة تاريخية، وكتجربة حسية مباشرة وأخلاقية قسرية، تجبر المتلقي على معايشة كل لحظة من الزمن الممتد للمأساة خطوة بخطوة.

شهادة سينمائية مزدوجة
يعبر هذا الاختيار عن استمرارية مسار كوثر بن هنية في أعمالها السابقة مثل “الرجل الذي باع ظهره”، و”أربع بنات”، حين تشتغل دائماً على الحد الفاصل بين التوثيق والتخييل لاستكشاف السياسي من خلال الإنساني، لكن هنا يبلغ التزامها الأخلاقي تجاه الضحية ذروته، إذ تصبح السينما أداة مقاومة حقيقية، ترفض الصمت والعجز الكلي أمام الإبادة المستمرة، وتُحول الصوت إلى مرثية سمعية دائمة لآلاف الأصوات التي انقطعت تحت الركام.

يقصي الفيلم عمداً أي صور بصرية صادمة أو مباشرة، فلا جثث، ولا دماء، ولا لقطات قصف صريحة، مفضلاً الصوت والزمن كعنصرين أساسيين ووحيدين تقريباً في البنية السردية بأكملها. فتظل معظم الأحداث محصورة داخل فضاء مغلق واحد، أي غرفة الاتصالات المضاءة بإضاءة خافتة، بينما يصبح صوت الطفلة المتواصل الوحيد الذي يربط بالعالم الخارجي المدمر والمجهول تماما.

يُكثف هذا الاقتصار المتعمد الإحساس بالعزلة التامة، والضعف الإنساني المطلق، والرهبة من الغياب، ويحوّل فعل الانتظار ذاته إلى جوهر الدراما والشهادة السينمائية. ويُجبر المتفرج على تخيل ما لا يُرى، وبالتالي على تحمل مسؤولية التخيل والتأمل الأخلاقي والسياسي، فيصبح الصوت شاهداً حياً يُعيد حضور الغائب، ويُحيل الفيلم إلى مرثية صوتية تتجاوز الحدث الفردي لتصبح رمزاً لكل الأصوات المقطوعة في منتصف الجملة تحت الركام.

ويحقق العمل شهادة سينمائية مزدوجة ومعقدة، أي توثيقية صارمة من حيث الالتزام بالمادة الحقيقية والتسجيلات الأصلية دون تحريف، ودرامية فائقة من حيث قدرته على تعميق الأبعاد الإنسانية والأخلاقية والسياسية للحدث. كما يُشكل نقداً لاذعاً وحاداً للآليات البيروقراطية والسياسية التي تحول الإغاثة الإنسانية البسيطة إلى مسألة إدارية تُؤجل الموت أو تُسرعه، ويطرح على المتلقي، سواء في الغرب أو في العالم العربي، سؤالاً لا مهرب منه: ماذا يعني أن تباد دولة من الأطفال الرضع والأمهات والأبرياء أمام عالم من المنظمات والمحكمات الدولية الحقوقية دون أن يتحرك أحد؟ وبهذا يتجاوز الفيلم كونه مجرد عمل سينمائي ليصبح فعلاً مقاوماً بالصورة والصوت معاً، وشهادة مستمرة ودائمة على جريمة مستمرة.

ويتحول فضاء غرفة الاتصالات إلى مسرح حقيقي للمأساة؛ نسمع فيه أصواتًا متقطعة، محاولات إنقاذ متكررة، تعليمات مستحيلة التنفيذ بسبب قيود المنفذين وتهديد يلوح فوقهم كسيف مسلط. حين يتجسد هذا التهديد في عدو لا يأبه بكون الضحية طفلة صغيرة أو مسعفين يسعون لإنقاذها، بينما يربط خط هاتفي هش حياة تتلاشى تدريجيًا بأشخاص يقتربون من حافة الانهيار بسبب العجز.

يكشف هذا الفضاء المغلق عن شكل خفي من العنف، ألا وهو البيروقراطية القاسية، التي تحول هند والمسعفين إلى فريسة تلهو بها قطة شرسة؛ تمنعهم من الفرار وتعَلّقهم بخيط رفيع من الأمل بموافقة وشيكة قد تنقذ الطفلة، لكنها في النهاية تقضي على الضحية بلا اكتراث لوجود تلك الموافقة أم لا. منذ اللحظة الأولى كانت النهاية محتومة، والغرض الوحيد التسلية بآلام الآخرين.

يبذل العاملون جهودًا مكثفة لساعات طويلة لمساعدة هند رجب، سواء بدعمهم النفسي المستمر ومواصلة الحديث معها لتخفيف الرعب، أو بالتخطيط الدقيق لعملية إنقاذها والتنسيق مع المسعفين الجاهزين للتحرك. بينما يتطلب أي تحرك تصريحًا من عدة جهات، تبدأ بالصليب الأحمر وتنتهي بالجيش الإسرائيلي الذي يفترض أن يسمح بمرور سيارة الإسعاف دون استهدافها.

وتصل أعصاب العاملين إلى حد الانهيار التام مع استمرار الانتظار ساعات طويلة وسط مماطلة متعمدة. ويتكرر هذا الضغط النفسي الهائل يوميًا مع كل محاولة إنقاذ في غزة. رغم التزامهم الصارم بالإجراءات وانتظار التصاريح، لا يضمن ذلك سلامتهم؛ يُستهدفون بالقصف حتى بعد الحصول على الموافقة، كما حدث مع المسعفين الذين ذهبوا لإخراج هند بعد التصريح، ليصبح الإذن كأنه لم يكن، وتذهب ساعات الانتظار سدى.

ويُبرز انتظار التصاريح، تعطيل الحركة، الخوف من مخالفة الأوامر، ليس كأخطاء إدارية عابرة، لأنها آليات ممنهجة متفق عليها ومشاركة في الجريمة. بينما يقف العالم كل يوم يشاهد هذه الجرائم تُرتكب أمامه، ويطالب مقدمي الخدمات الطبية بالالتزام بلوائح غير عقلانية، فيتحول عدم الفعل إلى فعل شرير بحد ذاته، ويصبح العجز سلاحًا محشوًا بالرصاص، لا يقل فتكًا عن البندقية نفسها.

وعُرض الفيلم لأول مرة عالميًا ضمن المسابقة الرسمية لمهرجان البندقية السينمائي، حيث حصل على جائزة الأسد الفضي، وألقت المخرجة على المسرح كلمة مؤثرة، وصفت فيها قصة هند بأنها مأساة تعكس معاناة شعب بأكمله يتعرض لإبادة جماعية مع إفلات الحكومة الإسرائيلية من العقاب. كما شارك الفيلم أيضًا في مهرجان تورونتو السينمائي الدولي ضمن قسم العروض الخاصة، كما رُشّح لنيل الأسد الذهبي في مهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، ما يعكس الاعتراف الدولي بجودة العمل وقيمته الإنسانية والفنية.

وحاز الفيلم على العديد من الترشيحات والجوائز، من بينها جائزة لجنة التحكيم الكبرى، وجائزة أركا سينما جيوفاني لأفضل فيلم في البندقية، وجائزة سي.آي.سي.تي – جائزة يونسكو إنريكو فولتشينوني، وجائزة الصليب الأحمر الإيطالي، وجائزة أوديب ريكس، وجائزة ليونتشينو دورو، وجائزة سوريسو ديفرسو فينيسيا لأفضل فيلم أجنبي، وجائزة يونيميد، ما يعكس تقديرًا عالميًا للرسالة الإنسانية التي يحملها الفيلم.

وحصد الفيلم الجائزة الكبرى للجنة التحكيم الأسد الفضي – جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان فينيسيا، إضافة إلى مجموعة واسعة من الجوائز الموازية دوليًا. كما تم اختيار الفيلم كترشيح تونس الرسمي لجوائز الأوسكار في فئة أفضل فيلم دولي بدورته الثامنة والتسعين، ونجح في الوصول إلى القائمة القصيرة. كما حصل على ترشيح رسمي لجوائز الغولدن غلوب في فئة أفضل فيلم ناطق بغير الإنجليزية، إلى جانب ترشيحين في جوائز البافتا.

العرب