أخبار وتقارير

الأحد - 25 يناير 2026 - الساعة 12:04 م بتوقيت اليمن ،،،

مختار الدبابي


الخلاف بين السعودية والإمارات قائم، لكنه خلاف حول أدوات النفوذ والتأثير الإقليمي، وليس خلافًا حول قضايا جوهرية، ولم يتجاوز الخطوط الحمراء، ويتم “تصريفه” بهدوء عبر قنوات ثانوية من خلال إشارات مبطنة في بعض وسائل الإعلام الرسمية، وأخرى مباشرة عبر وسائل محسوبة على حلفاء خارجيين، خاصة في اليمن.

لا يطال الخلاف القائم القضايا الجوهرية التي تشكل أساس التحالف بين البلدين، مثل مواجهة التهديدات الإقليمية الكبرى، أو الحفاظ على استقرار منظومة الخليج، أو التنسيق في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي. ما يجري الآن اختلاف حول اليمن، وأساسًا حول الأدوات التي تفضي إلى الاستقرار هناك.

تريد الإمارات تصعيد قوة سياسية يمنية تحمل مقاربة فكرية وسياسية تضمن أمن الخليج على المدى البعيد، ولذلك هي تدعم المجلس الانتقالي الجنوبي لكونه يحمل أفكارًا ذات بعد محلي لا تتجاوز فكرة الانفصال، كما تسيطر عليه توجهات علمانية، وليس تنظيمًا عابرًا للدول مثلما هو الحال مع حزب الإصلاح اليمني، الواجهة السياسية لإخوان اليمن.

في المقابل تؤسس السعودية مقاربتها على التجميع، أي توظيف كل القوى اليمنية لتحقيق الاستقرار السياسي، بمن في ذلك الحوثيون. وعلاقتها بحزب الإصلاح تقوم على البراغماتية، فطالما أنه يمتلك حضورًا شعبيًا وقوى عسكرية، فلا يمكن استثناؤه أو تهميشه، لأن ذلك يعني آليًا وضع المزيد من العراقيل أمام خيار الاستقرار في اليمن، وجعل الأمن الإقليمي مرهونًا بحزب يمكن استيعابه وتوظيفه لخدمة خطط المملكة، ثم لاحقًا التعامل مع الوضع الناشئ بعد الاستقرار من خلال إستراتيجية الاستيعاب والتحجيم، دون أن يعني الأمر تراجعًا عن تصنيف الإخوان سعوديًّا كجماعة إرهابية أو مصالحة معهم، وهذا يبدو واضحًا من دعم الرياض تصنيف الولايات المتحدة فروعًا من الجماعة كمنظمات إرهابية.

تبدو هذه المقاربة البراغماتية فعالة على المدى القريب، لكن لا توجد ضمانات داخلها بشأن التحكم في درجة تمدد حزب الإصلاح ونفوذه في اليمن ما بعد التسوية السياسية، خاصة أن الحزب عمليًا يسيطر على “الشرعية” اليمنية، ويمكنه توظيف ضعفها وغياب المنافسين ليكون محور السلطة الجديدة، خاصة في ظل تهميش المجلس الانتقالي الجنوبي ووضع سلطته وقواته في عدن تحت إدارة سلطة “الشرعية”/ الإصلاح. ومن هنا تأتي مخاوف الإماراتيين، أو اختلافهم مع بناء سلطة جديدة اعتمادًا على خصم إستراتيجي لأبوظبي والرياض معًا، ولذلك يمكن تفسير دعمهم للمجلس الانتقالي الجنوبي بهدف أن يكون قوة قادرة على وقف تغول حزب الإصلاح، وهكذا فالخلاف يتأسس على اختلاف في الرؤية السياسية لمستقبل اليمن لحليفين رئيسيين لدعم “الشرعية”.

ويدور حديث عن أن الإمارات استفادت من تدخلها في اليمن من خلال وضع يدها على الموانئ وسيطرتها على المدن الساحلية، وهذا أمر طبيعي بالمنطق الدولي. فأي بلد حين يتدخل في أي نزاع فإنه يراعي مصالحه، وليس هناك تدخل مجاني ودون حسابات، حدث هذا في أكثر من موضوع مع الولايات المتحدة وروسيا والصين وتركيا وإيران. كما أن الإمارات عُرفت بسعيها إلى تثبيت نفوذها البحري في أكثر من مكان، وليس في اليمن فقط، فلديها وجود وعلاقات متطورة مع الدول المشاطئة للبحر الأحمر.

ولماذا يُطرح السؤال عن الإمارات ولا يُطرح عن السعودية، التي لم يكن تدخلها في اليمن بلا هدف، حيث كانت الغاية منع الحوثيين من السيطرة على اليمن وتطويقه من الجنوب لصالح إيران، ومن المنطقيّ أن تتعامل مع اليمن كفناء خلفي لها، وهذا ما يفسر الإنفاق المكلف لها لمساعدة الحكومة اليمنية ماليًا وعسكريًا لتؤمّن الحد الأدنى من الاستقرار. فهل من حق السعودية أن تؤمّن مصالحها وتحمي أمنها القومي فيما على الإمارات أن تترك الجمل بما حمل؟

ويُعزى تضخيم الخلاف إلى اشتغال جهات أخرى على توسيعه من خلال حملات إعلامية بعضها مبطن، والبعض الآخر معلن. في النوع المبطن تلعب بعض وسائل الإعلام الرسمية أو شبه الرسمية دورًا محسوبًا في تمرير إشارات تعكس تباين المواقف، دون أن ترتقي إلى مستوى الاتهام. وغالبًا ما تأتي هذه الإشارات في صيغة تحليلات أو تسريبات أو نقل تصريحات لشخصيات خليفة على الأرض، لكنها تظل محكومة بسقف منضبط لا يهدد جوهر العلاقة الثنائية.

ونشير هنا إلى نقل إعلام محسوب على السعودية لتصريحات خاصة أو بيانات من أطراف جنوبية مناوئة للمجلس الانتقالي تتهم الإمارات بتشجيع مغامرة الانتقالي في السيطرة على حضرموت والمهرة، وترديد إشاعات بشأن وجودها في سقطرى أو مطار الريان في المكلا عاصمة حضرموت. في المقابل نأت وسائل الإعلام الإماراتية الرسمية وشبه الرسمية عن الخوض في الخلاف، واكتفت بنشر تصريحات رسمية عامة عن تمسك الإمارات باستقلال قرارها.

واختار الإماراتيون ما أسماه عبدالله بن محمد بن بطي آل حامد، رئيس الهيئة الإماراتية للإعلام، بالصمت الإستراتيجي تجاه ما يجري في اليمن، رغم الكم الكبير من الاتهامات والإشاعات والحملات على مواقع التواصل، التي يقودها ويستثمر فيها نشطاء محسوبون على الإخوان المسلمين في المنطقة على وجه الخصوص.

الصمت الإستراتيجي يُفوّت الفرصة على محاولات إرباك العلاقات الثنائية مع السعودية، ويحافظ على صورة الإمارات كدولة مسؤولة، ويجعل مواقفها محسوبة بدقة لا تتأثر بالضغوط ولا بردود الأفعال. كما أن الانخراط باستمرار في إطلاق مواقف تتعلق بأحداث ظرفية ومتغيرة لا يعبر عن حُكم واتزان، ولا يمكن لمؤسسات دولة مثل الإمارات أن تكون طرفًا في جدل على مواقع التواصل الاجتماعي، الذي عادة ما يتسم بالانفعال.

ورغم تزايد الحملات تمسّك الإماراتيون بالدعوة إلى الحوار لتجاوز مأزق اليمن، حيث دعا أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس الإمارات، إلى تغليب الحوار وابتكار المخارج السياسية في هذه المرحلة الحرجة.

وأكدت الإمارات في بيان لوزارة الخارجية حرصها الدائم على أمن واستقرار المملكة العربية السعودية، واحترامها الكامل لسيادتها وأمنها الوطني، ورفضها لأي أعمال من شأنها تهديد أمن المملكة أو أمن الإقليم، إيمانًا منها بأن العلاقات الأخوية والتاريخية بين البلدين تشكل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة، وأن دولة الإمارات تحرص دومًا على التنسيق الكامل مع الأشقاء في المملكة.

إن الإدارة الهادئة للخلاف ستنتهي مع الوقت إلى استيعاب الأزمة، لكن من دون تنازل أي طرف عن خططه الإستراتيجية في مقاربة الأزمات وبناء التحالفات الإقليمية، مثلما هو الشأن للعلاقة مع باكستان والهند. ففيما تعمل السعودية على بناء تحالف إسلامي يضم باكستان والاستفادة من قدرات إسلام آباد للتأثير في ملفات إقليمية مثل السودان، فإن الإمارات تستمر في شراكتها الإستراتيجية مع الهند، وهي شراكة سابقة للأزمة الحالية، وتم تتويجها على هامش زيارة رئيس الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لنيودلهي بتوقيع خطاب نوايا حول “الشراكة الإستراتيجية في المجال الدفاعي”.

في المحصلة، يمكن القول إن الخلاف السعودي – الإماراتي هو خلاف داخل الشراكة، لا خارجها، تحكمه حسابات دقيقة، ويتم احتواؤه ضمن أطر مدروسة، بما يمنع انزلاقه إلى تجاوز الخطوط الحمراء، ويحافظ في الوقت ذاته على توازن المصالح وأدوات النفوذ لكل طرف. خلاف يعكس تباينًا في أدوات النفوذ لا شرخًا في التحالف.

العرب