عرب وعالم

الخميس - 01 أكتوبر 2026 - الساعة 01:03 م بتوقيت اليمن ،،،


لا تبدو رسالة الحرس الثوري الإيراني إلى الناخبين الأميركيين مجرد تصعيد جديد في الحرب الكلامية بين طهران وواشنطن، إذ تأتي في توقيت تتداخل فيه الحرب مع الاستحقاق الانتخابي الأميركي، فيما يستعد الناخبون لاختيار أعضاء الكونغرس في الثالث من نوفمبر المقبل.

وفي رسالة مفتوحة من 25 صفحة، دعا الحرس الثوري الأميركيين إلى رفض سياسات الرئيس دونالد ترامب وحلفائه، منتقدا دعمه لإسرائيل وتدخله العسكري في الخارج، ومقدما في المقابل خطابا يدعو إلى تغيير السياسة الأميركية تجاه إيران. وقال المتحدث باسم الحرس الثوري حسين محبي إن الرسالة قد لا تغير موقف الإدارة الأميركية، لكنه أعرب عن أمله في أن يقرأ الأميركيون مضمونها وأن يأخذوه في الاعتبار.

وتكشف الرسالة، بهذا المعنى، عن محاولة إيرانية لإدخال الحرب في النقاش السياسي الأميركي، وليس بالضرورة عن قدرة طهران على التأثير المباشر في خيارات الناخبين. فالحرس الثوري يخاطب جمهورا أميركيا تنشغل قطاعات واسعة منه بقضايا داخلية، بينما تبدو الحرب مع إيران بالنسبة إلى الناخبين مرتبطة أساسا بكلفة المعيشة وأسعار الوقود والإنفاق العسكري.

وتكتسب هذه المسألة أهمية مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس. فقد بدأ ترامب جولة انتخابية تستمر 32 يوما قبل الاقتراع، فيما تشير تقارير إلى أن ارتفاع أسعار البنزين والحرب مع إيران أصبحا من الملفات التي تواجه الإدارة والحزب الجمهوري في السباق الانتخابي.

وكان استطلاع رويترز/إبسوس في 21 سبتمبر قد أظهر تراجعا في شعبية ترامب، مع تسجيل نسبة تأييد بلغت 32 بالمئة، بينما أظهر الاستطلاع أن الناخبين يميلون إلى تحميل ارتفاع تكاليف المعيشة أهمية كبيرة في تحديد خياراتهم الانتخابية.

ولا تقف كلفة الحرب عند حدود أسعار الطاقة. فقد بدأ بعض المرشحين الجمهوريين في سباقات انتخابية حساسة بالابتعاد نسبيا عن موقف ترامب، والدعوة إلى إنهاء الحرب، في ظل ارتفاع أسعار الوقود وتزايد المخاوف من استمرار الصراع.

وهنا تجد طهران مساحة يمكن أن تستثمرها سياسيا. فبدلا من محاولة إقناع الأميركيين بالموقف الإيراني من البرنامج النووي أو الصراع الإقليمي، تركز الرسالة على فكرة أكثر ارتباطا بالنقاش الداخلي الأميركي: هل تستحق الحروب الخارجية تكلفتها؟

ويأتي ذلك بالتزامن مع انسحاب القوات الأميركية من آخر قواعدها في العراق، في خطوة أنهت وجودا عسكريا أميركيا بدأ مع غزو العراق عام 2003. وتحتفي إيران وحلفاؤها بالانسحاب باعتباره مكسبا، فيما تثير الخطوة في المقابل مخاوف داخل العراق من فراغ أمني يمكن أن تستفيد منه الفصائل المسلحة أو تنظيم الدولة الإسلامية.

وبالنسبة إلى طهران، فإن خروج القوات الأميركية من العراق ينسجم مع هدف أوسع يتمثل في تقليص الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط. لكن الانسحاب العسكري لا يعني نهاية النفوذ الأميركي في العراق، إذ لا تزال واشنطن تحتفظ بأدوات اقتصادية ومالية مهمة، بما في ذلك نفوذ مرتبط بعائدات النفط والنظام المالي العراقي.

وفي موازاة هذا المسار العسكري، تتحرك قطر على خط أكثر دبلوماسية. فقد كثفت الدوحة اتصالاتها غير المباشرة بين واشنطن وطهران، سعيا إلى التوصل إلى صيغة تنهي الحرب وتفتح الطريق أمام إعادة تشغيل مضيق هرمز، الذي يمثل ممرا حيويا لتجارة الطاقة العالمية.

وقدمت إيران خلال اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة تقوم على وقف القتال وإعادة فتح المضيق خلال سبعة أيام، مقابل الدخول في مسار تفاوضي بشأن الملف النووي وقضايا أخرى. ورفض ترامب الخطة، لكن الاتصالات عبر الوسطاء القطريين استمرت، ما يشير إلى أن القنوات الدبلوماسية لم تُغلق بالكامل.

وتكتسب هرمز أهمية إضافية بالنسبة إلى الداخل الأميركي، لأن استمرار الاضطراب في الملاحة ينعكس على أسعار النفط والوقود. وقد استقرت أسعار برنت أخيرا عند أكثر من 105 دولارات للبرميل بعد ارتفاعها على خلفية المخاوف بشأن استمرار تعطيل الإمدادات.

في المقابل، يواصل ترامب التأكيد على أن الحرب ستنتهي قريبا وأن إيران ستضطر إلى الاستسلام، بينما تشير الاتصالات غير المباشرة إلى استمرار البحث عن مخرج تفاوضي. وكان ترامب قد قال في وقت سابق إن الحرب قد تنتهي بعد انتخابات التجديد النصفي، متهما طهران بمحاولة التأثير في الاقتراع.

وبذلك تلتقي الرسالة الإيرانية مع لحظة سياسية أميركية شديدة الحساسية، من دون أن يعني ذلك أنها ستحدد اتجاه الناخبين. فطهران تستطيع محاولة إبراز كلفة الحرب، لكنها لا تستطيع التحكم في الطريقة التي سيقرأ بها الأميركيون تلك الكلفة أو في القضايا التي ستتصدر أولوياتهم يوم الاقتراع.

وفي النهاية، قد يكون الأهم في رسالة الحرس الثوري أنها تعكس انتقال الصراع إلى مستوى جديد: الميدان العسكري لم يعد الساحة الوحيدة للمواجهة، بعدما أصبحت كلفة الحرب وأسعار الطاقة والسياسة الخارجية جزءا من النقاش الانتخابي الأميركي. وفيما تراهن طهران على أن تتحول هذه الكلفة إلى ضغط سياسي، تراهن إدارة ترامب على تحقيق نتيجة في الحرب قبل أن يصبح استمرارها عبئا أكبر في الداخل.

ويبقى المسار الدبلوماسي الذي تحاول قطر دفعه أحد العوامل التي يمكن أن تغير هذه المعادلة، خصوصا إذا نجحت الوساطة في وقف القتال وإعادة فتح هرمز. أما إذا استمر الصراع، فإن الحرب ستظل حاضرة في النقاش الأميركي حتى موعد الانتخابات، ليس بالضرورة بفعل الرسائل الإيرانية، وإنما بسبب آثارها المباشرة على الاقتصاد والطاقة والسياسة الخارجية.