أخبار اليمن

الأربعاء - 30 سبتمبر 2026 - الساعة 12:47 م بتوقيت اليمن ،،،


تحمل زيارة المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ إلى القاهرة أكثر من بعد دبلوماسي مرتبط بالموقف المصري من الأزمة اليمنية والتهديدات التي تطال البحر الأحمر، إذ كشفت الزيارة، التي استمرت ثلاثة أيام، عن تحرك مواز باتجاه قوى وشخصيات يمنية موجودة في العاصمة المصرية، بينها وفد من المؤتمر الشعبي العام.

وأنهى غروندبرغ الأربعاء زيارة إلى القاهرة، حيث التقى وزير الخارجية المصري بدر عبدالعاطي، وبحث معه آخر التطورات في اليمن وتداعيات التصعيد على الأمن الإقليمي وحرية الملاحة في البحر الأحمر وباب المندب. وأكدت القاهرة دعمها لوحدة اليمن ومؤسساته الوطنية والحل السياسي، فيما أطلع المبعوث الأممي الوزير المصري على نتائج اتصالاته ومساعيه لاحتواء التصعيد.

لكن جانبا آخر من الزيارة برز من خلال لقاء وفد من المؤتمر الشعبي العام مع غروندبرغ في القاهرة، وفق ما أورده موقع «26 سبتمبر» اليمني. وترأست الوفد فائقة السيد، الأمين العام المساعد للمؤتمر، وتركز النقاش، بحسب المصدر، على وقف التصعيد، وإنهاء الحرب، رفع المعاناة الإنسانية وكسر الجمود السياسي.

ولا يرد هذا اللقاء في البيان المعلن لمكتب المبعوث الأممي بشأن زيارته إلى القاهرة، ولذلك من الأدق التعامل معه باعتباره اتصالا سياسيا موثقا من جانب مصدر يمني، لا إعلانا أمميا عن مسار تفاوضي جديد. كما لا تتوافر، في المعلومات المنشورة، تفاصيل موثوقة عن لقاءات أخرى عقدها غروندبرغ خلال وجوده في القاهرة مع شخصيات يمنية سابقة أو حالية غير الوفد المذكور.

وتكتسب القاهرة أهمية خاصة بالنسبة إلى المؤتمر الشعبي العام. فالعاصمة المصرية تستضيف منذ سنوات عددا من الشخصيات السياسية اليمنية، في وقت تعرض فيه الحزب، الذي كان أحد أعمدة النظام السياسي اليمني لعقود، لانقسامات وتباينات داخلية بعد اندلاع الحرب ومقتل مؤسسه ورئيسه السابق علي عبدالله صالح في 2017.

ولا يعني التواصل مع أحد أجنحة المؤتمر أن الحزب بات كتلة سياسية موحدة يمكنها تمثيل جميع قواعده أو أطرافه. فالمؤتمر انقسم عمليا بين مراكز وشخصيات موجودة في مناطق مختلفة، كما أن بعض قياداته ارتبطت بمسارات سياسية وعسكرية متباينة. ولذلك فإن أهمية لقاء القاهرة لا تكمن بالضرورة في وزن تفاوضي مباشر، وإنما في اختبار مدى قدرة قنوات المؤتمر وشخصياته على الإسهام في إعادة فتح المجال السياسي اليمني.

وتأتي هذه الاتصالات في توقيت بالغ الحساسية. فقد عاد القتال منذ يوليو الماضي إلى عدد من الجبهات، قبل أن يتوسع خلال سبتمبر على الساحل الغربي، في تصعيد وصفه غروندبرغ بأنه الأكثر خطورة منذ الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة عام 2022. وقال المبعوث، في إحاطة لمجلس الأمن في سبتمبر، إن الهدوء النسبي الذي استمر أكثر من أربعة أعوام انتهى، محذرا من مخاطر تحول التصعيد إلى حرب أوسع وامتداده إلى المواجهة الإقليمية.

وفي أحدث تحركاته، لم يحصر غروندبرغ اتصالاته في طرف واحد. فقد التقى مفاوضين حوثيين في مسقط، كما أجرى مباحثات مع الحكومة اليمنية المعترف بها دوليا في الرياض، في محاولة لاستكشاف سبل منع اتساع التصعيد. وقال لوكالة أسوشيتد برس إن لقاءه مع كبير المفاوضين الحوثيين محمد عبدالسلام استهدف البحث في إمكانية تجنب مزيد من التصعيد.

ومن هذه الزاوية، يمكن قراءة محطة القاهرة باعتبارها جزءا من مسعى أوسع إلى إبقاء القنوات السياسية مفتوحة مع أطراف يمنية متعددة، بالتوازي مع الاتصالات المباشرة مع الحوثيين والحكومة. وهي مقاربة تتفق مع ما شدد عليه غروندبرغ أمام مجلس الأمن من ضرورة إبقاء قنوات التواصل مفتوحة حتى خلال القتال، مع التأكيد أن ما يتم التفاوض عليه وما يتم الاتفاق عليه في النهاية يظل قرارا يمنيا.

كما أن وجود المؤتمر الشعبي في المشهد السياسي اليمني يمنح القاهرة وظيفة إضافية في التحرك الأممي. فمصر، بحكم موقعها على البحر الأحمر وعلاقتها بمؤسسات الدولة اليمنية، تتابع الأزمة باعتبارها قضية أمن قومي إقليمي، خصوصا مع ارتباط التصعيد في اليمن بحرية الملاحة في باب المندب. وقد شدد عبدالعاطي خلال لقائه غروندبرغ على أهمية استقرار اليمن بالنسبة إلى أمن البحر الأحمر والتجارة الدولية وسلاسل إمدادات الغذاء والطاقة.

غير أن اختبار ورقة المؤتمر الشعبي من القاهرة سيظل مرتبطا بمدى قدرة الحزب وشخصياته على تجاوز الانقسامات التي لحقت به خلال سنوات الحرب، وبقدرته على تقديم خطاب سياسي يمكن أن يندرج في تسوية أوسع لا في اصطفاف جديد.

وبالتالي، لا تكشف زيارة غروندبرغ عن اتفاق سياسي وشيك، ولا تكفي وحدها للقول إن المؤتمر الشعبي يستعيد موقعه في العملية السياسية. لكنها تكشف، في المقابل، أن المبعوث الأممي يتحرك في اتجاه توسيع دائرة الاتصالات اليمنية، في وقت أصبح فيه استمرار الحرب أكثر كلفة، فيما باتت أي محاولة لإعادة إطلاق مسار سياسي بحاجة إلى قنوات تتجاوز أطراف الحرب المباشرين.

وفي هذا السياق، قد تكون القاهرة مساحة لاختبار قنوات سياسية يمنية أقل ظهورا في مسارات التفاوض الحالية، بينما يبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع هذه القنوات تحويل الاتصالات إلى مساهمة فعلية في خفض التصعيد وتهيئة الأرضية لتسوية يمنية أوسع؟