عرب وعالم

الإثنين - 28 سبتمبر 2026 - الساعة 12:20 م بتوقيت اليمن ،،،

أنقرة


أنهى زعيم حزب الحركة القومية دولت بهتشلي، الحليف الأبرز للرئيس التركي رجب طيب أردوغان، خلافاً دموياً استمر أكثر من عقدين بين أكبر مجموعتين من مجموعات الجريمة المنظمة في البلاد، وهما عائلتا «سارالار» و«شاهينلر». جاء ذلك عبر لقاء مصالحة تاريخي عُقد في المقر العام للحزب بأنقرة يوم 26 سبتمبر 2026، وُصف رسمياً بـ«العناق التاريخي»، ونُشرت صوره على الحساب الرسمي للحزب على منصة إكس.

وأظهرت الصور بهتشلي جالساً في مكتبه ممسكاً بيد برهان الدين سارال، أحد أبرز وجوه عائلة سارالار، وسيدات شاهينلر، زعيم مجموعة شاهينلر. وأصدر الحزب بياناً وصف فيه العائلتين بـ«عائلتين ثمينتين من بلادنا»، مؤكداً أنهما اجتمعتا في عناق تاريخي.
ولم تصدر وزارتا الداخلية أو العدل أي تعليق رسمي على الاتفاقات التي ربما أُبرمت خلال اللقاء، لكن الرسالة السياسية كانت واضحة: الوساطة التي يقودها حليف أردوغان قادرة على فرض الهدوء حتى على أكثر النزاعات دموية في عالم الجريمة المنظمة.

وتعود جذور الخصومة إلى منطقة البحر الأسود، وتحديداً إلى أصول عائلة سارالار في طرابزون (منطقة أوف) وعائلة شاهينلر في سامسون (منطقة بافرا). بدأت التوترات بشكل واضح في أكتوبر 2004 بهجوم مسلح على زكريا كوجامان، المقرب من سيدات شاهينلر. تحول الأمر إلى ثأر دموي في 31 يناير 2005 باغتيال حسين سارالار، الزعيم السابق للعائلة، في موقف سيارات لأحد مراكز التسوق في روما بإيطاليا. وتوالت بعدها الهجمات المتبادلة والاغتيالات والاستهدافات في إسطنبول وأنقرة ومدن أخرى، شملت أعمالاً تتعلق بالمقامرة غير الشرعية والابتزاز والاغتيالات الانتقائية.

وقُتل في سياق هذا النزاع عشرات الأشخاص، ويُقدر بعض التقارير عدد الضحايا بأكثر من خمسين قتيلاً على مدار السنوات. واستمرت المواجهات رغم محاولات سابقة للتهدئة.

وفي 2006 جرت وساطة غير رسمية أفضت إلى هدنة مؤقتة، لكنها انهارت في ديسمبر 2014 باغتيال فيدات شاهينلر، شقيق سيدات، مع أحد حراسه الشخصيين. وفي مايو 2016 تعرضت فيلا سيدات شاهينلر في بييكوز بإسطنبول لرشقات من أسلحة طويلة المدى، أصيبت خلالها حماته. وخضعت المجموعتان لتحقيقات ومحاكمات متكررة ضمن ملفات الجريمة المنظمة، وصدرت أحكام بحق عدد من أعضائهما، بينما بقي آخرون فارين أو تحت المراقبة.

ووفقاً لبيانات أمنية قديمة، كانت مجموعة سارالار تُصنف من أكبر التنظيمات المسلحة عدداً بعد بعض الزعماء التقليديين مثل علاء الدين تشاكجي، بينما جاءت مجموعة شاهينلر في مراتب متقدمة أيضاً.

ولم يكن بهتشلي غريباً عن مثل هذه اللقاءات. سبق له استقبال عدد من الشخصيات المرتبطة بعالم المافيا في مكتبه، من بينهم علاء الدين تشاكجي وكورشات يلماز وسونر إرغين وسيدات شاهينلر نفسه بعد خروجه من السجن. يُعد اللقاء الأخير السادس من نوعه الذي يجمع بهتشلي بشخصية من هذا العالم.

ويفسر مراقبون هذا النمط بأن حزب الحركة القومية، الشريك الأصغر في التحالف الحاكم مع حزب العدالة والتنمية، يحتفظ بنفوذ تاريخي في أوساط معينة من المجتمع التركي، خاصة في المناطق ذات الجذور القومية القوية، ويستخدم هذا النفوذ في تهدئة النزاعات التي قد تهدد الاستقرار الداخلي أو تخلق مشاكل أمنية إضافية للدولة.

وقبل اللقاء مباشرة، نظمت عائلة سارالار تجمعاً عائلياً كبيراً في بلدة سورمينه بطرابزون، حضره نحو أربعة آلاف شخص في حديقة متحف عائلة باستيمار. شارك في التجمع شخصيات بارزة من العائلة، من بينهم علاء الدين سارالار والمستشار الرئاسي أوكتاي سارالار وعمدة بلدية أوف سليم صالح ساريالي أوغلو، إلى جانب رجال أعمال وسياسيين ورياضيين.

وحمل التجمع رسائل تؤكد الالتزام برؤية «تركيا القرن» والوحدة الوطنية، في إشارة إلى الخطاب الرسمي للرئيس أردوغان حول «قرن السلام» و«تركيا خالية من الإرهاب».

ويأتي هذا الحدث في سياق أوسع يشهد فيه تركيا نقاشات مستمرة حول العلاقة بين السلطة وعالم الجريمة المنظمة. على مدى السنوات الماضية، برزت اتهامات متكررة من المعارضة ووسائل إعلام مستقلة بوجود تداخلات أو تسامح مع بعض الشبكات الإجرامية، سواء في مجالات تهريب المخدرات أو غسيل الأموال أو المقامرة غير الشرعية.

في المقابل، يؤكد المسؤولون الحكوميون أن الدولة تواصل عملياتها الأمنية ضد الجريمة المنظمة، مشيرين إلى عمليات اعتقال متكررة في السنوات الأخيرة. أما دور بهتشلي فيبدو أنه وسبط في هذه الجهود عبر قنوات غير رسمية تعتمد على النفوذ الشخصي والحزبي.

ويحمل اللقاء دلالات سياسية متعددة. أولاً، يعزز صورة بهتشلي كرجل قادر على حل النزاعات الداخلية بالقوة الناعمة، مستفيداً من مكانته كحليف أساسي يضمن الأغلبية البرلمانية للتحالف الحاكم. ثانياً، يرسل رسالة إلى المجموعات الإجرامية بأن الدولة، أو على الأقل أطراف نافذة فيها، تراقب هذه النزاعات وترى فيها تهديداً محتملاً للاستقرار. ثالثاً، يتزامن الحدث مع مساعي أوسع للحكومة التركية نحو تعزيز «السلام الاجتماعي»، سواء في الملف الكردي أو في قضايا أخرى، ما يجعل تهدئة نزاعات العالم السفلي جزءاً من سردية أوسع للوحدة الوطنية.

ويثير الحدث أسئلة جوهرية حول طبيعة الدولة الحديثة في تركيا. هل تمثل مثل هذه الوساطات دليلاً على قدرة النظام على احتواء العنف خارج الأطر القضائية التقليدية، أم أنها تعكس استمرار ظاهرة «الدولة العميقة» أو التداخل بين السياسة والجماعات المنظمة؟

ويرى بعض المحللين أن بهتشلي، بخلفيته القومية الطويلة وارتباط حزبه تاريخياً ببعض الأوساط، يلعب دوراً تقليدياً في تهدئة الصراعات التي قد تخرج عن السيطرة. بينما يحذر آخرون من أن تطبيع مثل هذه اللقاءات قد يضعف سيادة القانون ويمنح شرعية رمزية لشخصيات لها سجلات جنائية طويلة.

ويبقى السؤال مفتوحاً حول مدى استدامة هذا السلام. التاريخ يظهر أن الهدن السابقة كانت هشة، وأن المصالح الاقتصادية المرتبطة بالمقامرة والابتزاز غالباً ما تعيد إشعال التوترات. كما أن العمليات الأمنية المستمرة ضد الجريمة المنظمة قد تضع أياً من الطرفين تحت ضغط جديد.

لكن في اللحظة الراهنة، نجح حليف أردوغان في فرض صورة العناق على مشهد كان مليئاً بالدماء لأكثر من عشرين عاماً، مقدماً نموذجاً للوساطة السياسية في واحدة من أكثر الملفات حساسية في تركيا المعاصرة.

وتعكس هذه التطورات واقعاً تركياً معقداً يجمع بين السلطة الرسمية والشبكات الاجتماعية التقليدية والنفوذ الحزبي. وفي ظل التحديات الاقتصادية والأمنية والإقليمية التي تواجهها تركيا، يبدو أن مثل هذه الخطوات ستظل جزءاً من أدوات إدارة الاستقرار، سواء اعتبرها البعض نجاحاً سياسياً أو علامة على استمرار تداخلات قديمة بين عالم السياسة وعالم الظل.