منوعات

السبت - 20 يونيو 2026 - الساعة 01:07 ص بتوقيت اليمن ،،،

رعد الريمي


في التاسع عشر من يونيو من كل عام، تعود ذكرى رحيل رجلٍ لم يكن مجرد صاحب سينما، بل من بنى السينما في عدن من العدم. اليوم، ونحن في هذا التاريخ بالذات، نتوقف لنروي قصة طه مستر حمود — ملك السينما، ورائد التوزيع في الجزيرة العربية.

الورثةُ والبداياتُ

في عام 1920، وُلد في عدن طفلٌ اسمه طه محمد حمود الهاشمي، لكنّ الناسَ سمّوه باسم والده الذي كان يُلقّبه الاستعمار البريطاني مستر حمود — فصار هو طه مستر حمود. والده، محمد حمود الهاشمي، لم يكن رئيس قسم التعليم في عدن فحسب، بل كان من أوّل من أدخل السينما إلى المدينة: كان يعرض الأفلام الصامتة في حقولٍ وأحواضٍ صغيرة في منطقة القطيع بكريتر، ويجوب بها التواهي في عروضٍ متنقّلة. نشأ طه في ظلّ هذا العالم — عالم الضوء والظل، الصمت والحركة — فكان أن ورث عن أبيه ليس الاسم فحسب، بل الرؤية كلّها.


العاصفةُ الأولى

في الثلاثينيات من القرن الماضي، وفي قلب كريتر قرب حيّ الميدان، قام طه مستر حمود بما لم يفعله أحدٌ قبله في عدن: بنى أول دار سينما دائمة في المدينة. سمّاها هريكن (العاصفة)، على اسم الطائرة الحربية البريطانية Hurricane. كانت مساحتها في البداية حوالي 600 مترٍ مربّع، لكنّه لم يرضَ بذلك — ففي عام 1942، وسّعها لضعف المساحة، لتصبح 1200 مترٍ مربّع. ولم يتوقف عند هذا الحدّ: امتلك في التواهي سينما "الجديدة، وفي المعلا سينما راديو، وفي الشيخ عثمان سينما "الشرقية. بحلول عام 1972، كان يملك أربعاً من أصل عشر دور سينما في عدن.


التوزيعُ والريادةُ

لم يكن طه مستر حمود صاحبَ دور عرضٍ فحسب، بل كان رائد التوزيع السينمائي في الجزيرة العربية كلّها. كان يشتري الأفلام قبل عرضها في مصر، فتُعرض في القاهرة وعدن في آنٍ واحد. في صالاته، رقص فريد الأطرش، وغنّى عبد الحليم حافظ، وحارب عنتر بن شداد، وعاشت أمّ الهند في "Mother India". عمل موزّعاً لكبرى شركات الإنتاج، فجعلت عدن تنافس القاهرة في عرض الجديد من الأفلام.


السينما عائلةً

أدرك طه مستر حمود أنّ السينما ليست ترفيهاً فحسب، بل أداةً لرفع الوعي المجتمعي. فسخّر إمكانياته لجعلها نشاطاً عائليّاً شعبيّاً. وها هي عدن تستجيب: من سينما واحدة في الثلاثينيات، إلى حوالي 40 سينما عام 1990 — مقارنةً بتسعٍ فقط في صنعاء التي لم يصلها أول سينما إلا عام 1959. كانت السينما في عدن، قبل أن تكون صناعةً، ثقافةً وحياةً.


الظلامُ المؤمّم

في 20 ديسمبر 1970، جاء القانون رقم 37: التأميم. صُودرت سينما "هريكن" وكلّ ما فيها — 850 فيلماً، معدات، عقود مع شركات الإنتاج والتوزيع. كانوا يدفعون 10% من دخل السينما للجمعية العامة للسينما، ثم جاء التأميم فأخذ كلّ شيء. يقول حفيده لطفي طه محمد حمود الهاشمي، الذي يملك السينما اليوم: هذا كان حقداً، وليس تأميماً.


العودةُ والأفولُ

استعادت العائلة ملكيتها عام 1994، لكنّ الزمن تغيّر. ثلاثٌ من أربع سينماتٍ تحوّلت لاستخداماتٍ أخرى. حرب 1994 والفتاوى التي حظرت السينما أطفأت ما تبقّى من النور. ظلّت "هريكن" تعمل بشكلٍ متقطّعٍ حتى 2010، حيث كان كبار السنّ في عدن — الذين عاصروا العصر الذهبيّ — يأتون إلى حفيده لطفي ويطلبون منه فتح السينما، ولو لعرضٍ واحدٍ، ولو لذكرى.


اليوم، في 19 يونيو

نحن هنا، في هذا التاريخ بالذات، نتذكّر رجلًا وُلد عام 1920، وبنى السينما في عدن من العدم، وجعلها تنافس القاهرة، ثم رحل تاركاً إرثاً لا يُمحى. كرّمه مكتب الثقافة في عدن تقديراً لدوره الريادي. ولا تزال قناة "ذاكرة اليمن" تُعيد بثّ حلقتها: طه ماستر حمود.. رائد التوزيع السينمائي في الجزيرة العربية.

هو الذي علّم عدن أنّ الظلام ليس نهايةً، بل بداية فيلمٍ جديد.

في الذكرى، نتذكّر. وفي التذكّر، نُعيد بناء ما هُدم

المصادر والمراجع:

- "نجوم عدن.. طه مستر حمود" — موقع آفاق فضل النقيب
- "رجال في ذاكرة التاريخ" — صحيفة الأيام (عدن)
- "السينمائي طه مستر حمود" — موقع علي ناصر
- "السينما في عدن، من أطفأ العرض؟" — منتدى سلام اليمن (خالد لكري)
- "سطور في ذكرى رحيل الملك ماستر حمود" — الوطن اليوم
- حلقة وثائقية: "طه ماستر حمود.. رائد التوزيع السينمائي في الجزيرة العربية" — قناة ذاكرة اليمن