كتابات وآراء


الجمعة - 19 يونيو 2026 - الساعة 06:07 م

كُتب بواسطة : ياسر اليافعي - ارشيف الكاتب




الفساد لا يُقاس بالمزاج، ولا يحتاج أوامر أو توجيهات من أي جهة حتى نسلط الضوء على جانب منه ونتجاهل جوانب أخرى. فالفساد الذي يُستخدم بشكل انتقائي لتحقيق أهداف سياسية ليس حرباً على الفساد، بل استغلال له، وتحويله إلى أداة لتصفية الخصوم وحماية الحلفاء.

لقد أصبح مألوفاً أن تتحرك بعض الأصوات ضد ملف معين، بينما تصمت تجاه عشرات الملفات الأكبر والأخطر، ليس لأن الفساد انتهى، بل لأن المعايير أصبحت سياسية لا وطنية. ومن يريد محاربة الفساد فعليه أن يفتح جميع الملفات دون استثناء، بعيداً عن الولاءات والضغوط الخارجية.

عندما كنا نسمع أو نقرأ عن فساد بعض المحسوبين على المجلس الانتقالي، سواء في الأراضي أو الأحواش أو التعيينات المناطقية، كنا ننتقد ذلك علناً، كما انتقدنا فساد المقربين من نظام هادي، وفساد عفاش، وفساد جماعة الإخوان، ولا يمكن لأحد أن يزايد علينا في هذا الموقف.

إذا كانت هناك وثائق تثبت فساد أي طرف، فالإعلام والقضاء موجودان، لكن يجب أن تُفتح جميع الملفات: فساد الأنظمة السابقة، وحسابات بنك الرياض التي كانت تورد إليها إيرادات النفط، وملف ودائع البنك المركزي، وملفات نهب النفط في الخشعة ووادي حضرموت، وملفات الطاقة المؤجرة التي وصفها مسؤولون بأنها أحد أكبر أبواب استنزاف المال العام.

من الخطأ اختزال الفساد في اليمن وربطه بمرحلة سياسية محددة أو بشراكة المجلس الانتقالي الجنوبي في السلطة منذ عام 2022، وكأن الفساد وُلد في تلك اللحظة. الحقيقة أن الفساد سبق الجميع، وكان أحد أسباب تآكل الدولة وتحول مؤسساتها إلى أدوات للمحسوبية وتقاسم النفوذ والثروة.

هذا الفساد المزمن لم ينهب المال العام فقط، بل صنع دولة هشة وضعيفة، عاجزة عن تحقيق العدالة والتنمية وتقديم الخدمات. ومن هذا الواقع ظهر الحراك الجنوبي عام 2007 احتجاجاً على التهميش ونهب الأراضي والثروات، ثم جاءت ثورة الشباب عام 2011 بشعار إسقاط منظومة الفساد وإقامة دولة القانون.

لكن تغيير الأشخاص لم يكن كافياً، لأن منظومة الفساد بقيت حاضرة، حتى أضعفت مؤسسات الدولة العسكرية والأمنية والاقتصادية، ومهدت لانهيار صنعاء وسقوط مقدرات الدولة بيد الحوثيين. فلو كانت هناك دولة مؤسسات وجيش قائم على الكفاءة لا الولاءات، لما انهارت الدولة بهذه السرعة.

إن سقوط الدولة اليمنية لم يكن حدثاً مفاجئاً ولا نتيجة للحرب وحدها، بل حصيلة سنوات طويلة من الفساد وسوء الإدارة والمحسوبية، التي أضعفت مناعة الدولة من الداخل قبل أن تواجه التحديات الخارجية.

ولهذا فإن مكافحة الفساد يجب أن تكون شاملة وعادلة، لا انتقائية ولا موجهة سياسياً. فالفساد في اليمن ليس مشكلة حكومة أو حزب أو مكون بعينه، بل أزمة بنيوية صنعت دولة هشة، وما زال الناس يدفعون ثمنها حتى اليوم.

#ياسر_اليافعي