أخبار اليمن

الإثنين - 06 أبريل 2026 - الساعة 12:20 م بتوقيت اليمن ،،،

د. عيدروس النقيب


رغم الحزن الكبير الذي يشعر به أي صاحب ضمير حي إزاء الأرواح التي ازهقت والدماء التي سُفِكت في مدينة المكلا عاصمة محافظة حضرموت، يوم أمس الأول السبت الموافق 4 إبريل 2026م بفعل العنف الرسمي من قبل أجهزة الأمن والسلطة المحلية في المحافظة في التعامل مع بعض المتظاهرين السلميين من أبناء المحافظة، أقول رغم هذا الحزن فان البيان الصادر عن السلطة المحلية ولجنتها الأمنية يبعث على الرثاء والإشفاق على من أعده وأصدره،

حيث جاء محمَّلًا بلغةٍ متخشِّبةٍ تقادم عليها الزمن ولم يعد أحدٌ يصدقها بعد أن استهلكت أكثر مما ينبغي على مدى عقود من قبل السلطات القمعية اليمنية، فالبيان يستخدم عباراتٍ من قُبَيل "زعزعة الأمن والاستقرار" "إغلاق السكينة العامة" أو الإشارة إلى "اندساس مسلحين باللباس المدني بين المتظاهرين" و"الاعتداء على رجال الأمن" أو القول إن القوات الأمنية "تحافظ على السكينة العامة" و"السلم الأهلي" و"تحمي المرافق الحكومية"،أما أكبر الكبائر التي يشير إليها البيان فهي "اكتشاف وجود متظاهرين ليسوا من ابناء حضرموت" وهذا ما سأتوقف عنده في مكان آخرمن منشوري هذا.

لكن دعونا نفكك بعض هذه المفردات كلاً على حدة:
فاولاً منذ متى كانت الفعاليات السلمية تهدد السلم الأهلي والسكينة والسلام الاجتماعي؟

لم يحصل في كل تاريخ الحراك السلمي الجنوبي منذ 7/7/2007 اي قبل ما يقارب العشرين عاماً، التي شهدت آلاف الفعاليات السلمية بين مليونيات وما دونها، لم يحصل أن تم قطع غصن من شجرة أو كسر قنينة ماء، ناهيك عن أكذوبة "الاعتداء على رجال الأمن" التي تدحضها الوقائع على الأرض، حينما كان رجال الأمن هم المعتدون دائمًا على المواطنين السلميين وقتل منهم الآلاف وليس العكس.

ثانيًا إذا كان هناك مسلحين يعتدون على رجال الأمن فكم عدد القتلى والجرحى من رجال الأمن يا محافظ المحافظة؟؟

لقد أسفر عن اعتراض الفعالية السلمية سقوط شهيدين وأربعة جرحى وهم من المتظاهرين وليسوا من رجال الأمن، حسب الأنباء المتداولة، حيث لم يذكر بيان السلطة أي كلمة عن الضحايا، وبموحب بيان سلطة سالم الخنبشي فإن الشهداء والجرحى وهم من صفوف "المسلحين المندسين"، فكيف يمكن تفسير هذا أيها المحافظ الجهبذ؟ إلا إذا كان بيانك يقصد أن المتظاهرين (المسلحين) كان يطلقون النار على أنفسهم!!!؟؟؟

ثالثا يقول البيان إن الفعالية الاحتجاجية ليست مرخص لها وإن البلاد تعيش حالة الطوارئ، والحقيقة إن أحداً لم يسمع عن حالة الطوارئ هذه، لا في مأرب ولا في تعز ولا في الضالع ولا في حريب أو مكيراس حيث المواجهة مع الجماعة الحوثية كما يفترض،وليس في محافظة تحررت منهم ومن جماعات القاعدة وداعش الإرهابيتين طوال أكثر من عشر سنوات، زمن المحافظين المحترمين، اللواء لأحمد سعيد بن بريك، واللواء فرج البحسني، والأستاذ مبخوت مبارك بن ماضي، فما الحاجة إلى حالة الطوارئ ومن الذي أعلنها ومتى؟

رابعًا: وبالعودة إلى ما قاله البيان عن وجود متظاهرين من خارج حضرموت، فإن هذا الذي يعتبره كاتبو البيان اكتشافا عبقرياً، وعنصر إدانة، فإنما هو إدانة لهم وليس للمتظاهرين السلميين، ألا يعلم الذين أعدوا البيان أن في مدينة المكلا وحدها أكثر من مائتي ألف وافد من محافظات الجنوب والشمال، بين موظفين وتجار وباعة متجولين وعاملين لدى القطاع الخاص، ولهؤلاء ما لأبناء حضرموت من الحقوق وعليهم ما عليهم من الواجبات؟؟

فإذا ما كانت السلطات لا تعلم ذلك فتلك مصيبة، أما إذا كانت تعلمه وتستنكره فالمصيبة أعظمُ، ومع علمنا بأن من تصدى للمشاركين في الفعالية السلمية هم رجال الطوارئ القادمون من مأرب الشمالية، فإن المصيبة الأعظم تكمن في أن السلطات تسمح بوجود القتلة من خارج حضرموت بل وتستوردهم، بينما تستنكر وجود مشاركين في الفعالية السلمية من خارج حضرموت.

لاسف الشديد يبدو أننا نتعامل مع سلطات تعيش بعقلية ما قبل ثلاثة عقود، أي عقليه 7/ 7/ 94م حيث المنتصر هو الوطن وهو من يحتكر الحقيقة، وكل ما عداه ومن عداه باطلٌ زهوق.

لم يعرف الناس عن أبناء حضرموت إلَّا إنهم شعبٌ مسالمٌ ميال إلى المدنية والتعايش والتسامح والسلام، لكن حينما تكون السلطة هي غير المتعايشة وغير المتسامحة وغير السلمية فلا تتوقعوا من المواطنين ان يخضعوا وأن يركعوا لتزييف الحقائق وممارسة إرهاب الدولة تحت مختلف المبررات.

الحقيقة إن سقوط الشهداء والجرحى أمرٌ مقلقٌ لكن الأكثر مدعاة للقلق هو تمادي سلطات حضرموت ومعها قاوت الطوارئ الشمالية في مواصلة نهج القمع والتنكيل والقتل وحجم التداعيات التي قد تلي هذا الفعل من أهالي الشهداء والجرحى ما لم يلاقوا الاعتذار من السلطة المحلية والتعهد بعدم تكرار هذه الأساليب والتعويض المادي والمعنوي العادل لهؤلاء الضحايا وذويهم.
والله من وراء القصد.