عرب وعالم

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 12:34 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


أعلنت وزارة الخارجية الكويتية مساء السبت استدعاء القائم بأعمال سفارة العراق في الكويت، زيد عباس شنشول، لتسليمه مذكرة احتجاج رسمية على ما وصفته بـ"الادعاءات" العراقية بعد إيداع بغداد خرائط حدودية جديدة لدى الأمم المتحدة بشكل منفرد.

واعتبرت الكويت أن هذه الخطوة تجاوزت الاتفاقيات القائمة ومساس بسيادتها ومياهها الإقليمية، وهو ما أعاد فتح ملف خور عبد الله، أحد أكثر الملفات حساسية في العلاقات الكويتية العراقية منذ مرحلة ما بعد الغزو العراقي للكويت عام 1990.

وأوضح بيان وزارة الخارجية أن الخرائط الجديدة تضمنت ادعاءات حول المجالات البحرية العراقية، بما فيها مناطق تعتبرها الكويت خاضعة لسيادتها التامة، مثل فشت القيد وفشت العيج، والتي لم تكن محل أي خلاف سابق.

وأكدت الوزارة أن الاحتجاج جاء ضمن إطار الالتزام بمبادئ القانون الدولي، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، بالإضافة إلى المذكرات الثنائية والتفاهمات السابقة بين البلدين، داعية العراق إلى التعامل بجدية ومسؤولية بما يحفظ مسار العلاقات التاريخية بين الشعبين الشقيقين.

وتتزامن هذه التطورات مع استمرار التوتر الدبلوماسي بين البلدين، الذي تصاعد العام الماضي على خلفية ملف ترسيم الحدود البحرية لما بعد العلامة 162، وهي المنطقة التي لم يُستكمل ترسيمها منذ صدور قرار مجلس الأمن رقم 833 في عام 1993.

وتبرز هذه المنطقة بوصفها محوراً حيوياً لكل من العراق والكويت، ليس فقط لأهميتها الجغرافية والاقتصادية، بل أيضاً لأبعادها القانونية والسيادية الحساسة.

ويعود النزاع حول خور عبد الله إلى ما بعد الغزو العراقي للكويت في عام 1990، حين تم وضع الأسس القانونية لترسيم الحدود، بما في ذلك اتفاقيات برعاية الأمم المتحدة.

وقد شهدت العلاقات الثنائية تحسناً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين، لكن القضايا المتعلقة بالحدود البحرية والحقوق السيادية لا تزال تشكل محوراً للنزاع بين الطرفين.

وفي هذا السياق، أثار رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني جدلاً واسعاً بعد أن حاول، وفق وثائق سرية، إعادة تفعيل الاتفاقية البحرية مع الكويت بشأن خور عبد الله بشكل سري، رغم أن المحكمة الاتحادية العليا العراقية ألغت الاتفاقية في عام 2023.

وأوضحت المحكمة في حكمها أن المصادقة على الاتفاقية لم تتم وفقاً للدستور العراقي، الذي يشترط موافقة ثلثي أعضاء البرلمان على أي معاهدة دولية.

وقد أثار هذا القرار استياء الكويت، التي اعتبرته "ادعاءات تاريخية باطلة" واحتجت رسمياً لدى بغداد، ما أعاد فتح ملف حسّاس للغاية في العلاقات الثنائية.

ويرى المراقبون أن القرار القضائي العراقي ألقى الضوء على تحديات التزامات العراق الدستورية والدولية، خصوصاً فيما يتعلق بحقوقه البحرية في الخليج.

و بينما اعتبر مستشارو رئيس الوزراء أن موقف الحكومة جزء من حملة انتخابية مبكرة، في ظل انتقادات واسعة تتعلق برد الفعل على المعاهدة الملغاة، يرى البعض أن التوتر المتزايد يعكس صراعاً بين الاعتبارات القانونية والسياسية الداخلية، من جهة، والتزامات العراق الدولية، من جهة أخرى.

وتتمثل النقطة الأساسية في الخلاف البحري في اعتماد "خط المنتصف" كما تصر الكويت مقابل "أعمق نقطة" كما يطالب بها العراق.

وتبرر الكويت موقفها بأن قرار مجلس الأمن 833 لعام 1993 يشمل كامل الحدود البحرية والبرية، بينما ترى بغداد أن القرار لم يشمل المناطق البحرية العميقة، ولا يعكس الواقع الطبوغرافي لمجرى خور عبد الله الذي يعاني من تراكم الطمي في بعض مناطقه، مما يجعل الترسيم وفق "أعمق نقطة" أكثر عدلاً من وجهة نظرها.

وتشير التحليلات القانونية إلى أن هذه الخلافات المتكررة تبني ملفاً قانونياً قد يدفع أحد الطرفين مستقبلاً إلى اللجوء إلى محكمة العدل الدولية أو المحكمة الدولية لقانون البحار.

ومن شأن هذا المسار، رغم طول مدته، فرض حدود إلزامية بين الطرفين، لكنه يحتاج إلى سنوات من المفاوضات والتحكيم الدولي، مع إمكانية تصعيد التوتر السياسي خلال هذه الفترة.

وتشمل تداعيات هذا النزاع أبعاداً اقتصادية مهمة، إذ يسيطر خور عبد الله على ممرات بحرية حيوية تتيح للعراق الوصول إلى مياه الخليج، كما يشكل جزءاً من الموارد البحرية للكويت.

وأي تغييرات في الترسيم أو في حقوق السيطرة قد تؤثر على الملاحة البحرية، على الصادرات النفطية، وعلى النشاط الاقتصادي في المناطق المحيطة، مما يضاعف حساسية النزاع ويجعل إدارة الملف أكثر تعقيداً.

ومن الناحية الدبلوماسية، يعكس التصعيد الجديد مدى هشاشة التوازن بين تعزيز العلاقات الثنائية والحفاظ على السيادة الوطنية.

ورغم جهود الحكومات السابقة لتعزيز التعاون، يبقى ملف الحدود البحرية أحد أبرز نقاط الخلاف التي يمكن أن تعيد التوتر إلى طاولة المفاوضات الدولية في أي وقت، خصوصاً إذا تم التصعيد من جانب رسمي أو برلماني.

كما يوضح هذا التصعيد دور القضاء العراقي في صياغة السياسة الخارجية، حيث يمكن لقرارات المحكمة الاتحادية العليا أن تؤثر بشكل مباشر على التزامات الحكومة الدولية وتفتح المجال أمام النزاعات القانونية.

ويبدو أن موقف الكويت الراسخ بالتمسك باتفاقيات ترسيم الحدود وبقرارات مجلس الأمن يهدف إلى حماية مكتسباتها السيادية والاقتصادية، وإرسال رسالة واضحة بأن أي مساس بالحدود البحرية لن يُقبل إلا ضمن إطار قانوني دولي متفق عليه.

ويضاف إلى ذلك عامل السياسة الداخلية في العراق، حيث يشكل النزاع حول خور عبد الله مادة للجدل السياسي في مواجهة تحديات الانتخابات المقبلة.

وتبرز هنا العلاقة بين القرارات السيادية والضغوط السياسية الداخلية، حيث يحاول رئيس الوزراء التوفيق بين حماية مصالح الدولة واستقرار العلاقات الإقليمية، وبين تلبية مطالب الأحزاب والفصائل السياسية المحلية.

وفي المقابل، تؤكد الكويت على ضرورة التعامل مع الخلاف وفق القانون الدولي ومبادئ حسن الجوار، مستندة إلى تاريخ طويل من التفاهمات والمذكرات الثنائية الموقعة مع بغداد.

ويشير الدبلوماسيون إلى أن استمرار الحوار الرسمي والاحتجاجات المتكررة قد يساهم في الحفاظ على حقوق الطرفين ومنع أي تصعيد عسكري محتمل، رغم حساسية الملف.

ويعكس تصعيد التوتر حول خور عبد الله تداخلاً معقداً بين التاريخ القانوني، والسياسة الداخلية، والسيادة الوطنية، والمصالح الاقتصادية، والالتزامات الدولية.

وتتطلب إدارة هذا الملف مقاربة دقيقة تجمع بين القانون والدبلوماسية والمرونة السياسية، للحفاظ على الاستقرار في العلاقات الكويتية العراقية، وتجنب أي تداعيات سلبية على مستوى الخليج ككل.