عرب وعالم

السبت - 17 يناير 2026 - الساعة 07:15 م بتوقيت اليمن ،،،

العرب


في توقيت تعتمل خلاله الكثير من التساؤلات الباحثة عن أجوبة مقنعة، بدأت روسيا بهدوء بسحب دبلوماسييها وعائلاتهم من إسرائيل، في خطوة غامضة تتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية والاحتجاجات الواسعة في إيران، ما فتح الباب أمام تكهنات بشأن تطورات خطرة محتملة في المنطقة.

وجاء في تقرير نشرته مجلة ناشونال انتريست الأميركية وحرره المحلل العسكري الأميركي براندون وايكيرت الذي يقدم استشارات دورية لمؤسسات حكومية ومنظمات خاصة في قضايا الجغرافيا السياسية، أنه في ظل الاحتجاجات الجماهيرية المستمرة في إيران، يبدو أن روسيا تعتقد أن ضربة واسعة النطاق على إسرائيل باتت وشيكة.

وابتداء من 8 يناير الجاري بدأت روسيا بهدوء بإجلاء دبلوماسييها وعائلاتهم من إسرائيل. ولم يقدم أي سبب رسمي لعمليات الإجلاء، لكنها جاءت في وقت انفجرت فيه الاحتجاجات المناهضة للنظام في أنحاء إيران، وارتفعت كذلك دعوات تغيير النظام في مدن أميركية وإسرائيلية كبرى.

ويطرح ذلك سؤالا بديهيا هو: لماذا تخرج روسيا موظفيها من إسرائيل إذا كانت الأزمة تدور في إيران.

ويقول وايكيرت إنه رغم أن هذا الطرح يظل في إطار التكهنات، فمن المهم فهم طبيعة العلاقة بين إيران وروسيا. فعلى مدى عقود، نظر الروس إلى إيران بوصفها شريكا أساسيا لموسكو في استعراض نفوذها في منطقة الشرق الأوسط الأوسع. وكما كتب الباحث الروسي ديميتري ترينين قبل عقد مضى، فإن روسيا تضع “الشرق الأوسط الأوسع” ضمن مصالحها الجوهرية. وبعبارة أخرى، تستثمر روسيا بقوة في بقاء النظام الإسلامي الإيراني باعتباره وكيلا لها.

وعلى هذا الأساس، شكل الدعم المالي والمساعدة التقنية، ولا سيما في مجال تكنولوجيا الصواريخ، إلى جانب تبادل المعلومات الاستخباراتية وتوفير الغطاء الدبلوماسي، السمات الأبرز في علاقة روسيا بإيران.

كما ساعدت موسكو، عبر وكالة الطاقة النووية الحكومية الروسية “روساتوم” في تشييد محطة بوشهر النووية في إيران. وتنتشر أنظمة الدفاع الجوي الروسية حول أهداف رئيسية داخل إيران، غير أن مدى قدرتها على مساعدة الإيرانيين في التصدي لضربات جوية أميركية أو إسرائيلية محتملة مستقبلا يظل موضع تساؤل كبير، ولا سيما في ضوء فشل هذه الأنظمة نفسها في فنزويلا قبل أسابيع.

ويقول وايكيرت إن العلاقة الروسية-الإيرانية أوثق وأكثر تعقيدا مما يدركه كثيرون في واشنطن. ورغم أنه من غير المرجح أن تخوض روسيا حربا نيابة عن إيران، أو أن ترسل قوات لدعم نظام رجال الدين الحاكم، فإن من المحتمل أن موسكو لن تتردد في تزويد إيران بأسلحة متطورة، ومنح مباركتها لضربة إيرانية محتملة وواسعة النطاق ضد إسرائيل. وحتى من دون مساعدة روسية مباشرة، أمضى الإيرانيون سنوات في بناء ترساناتهم من الصواريخ، والأسلحة فرط الصوتية، والطائرات المسيرة. وهذه الأسلحة متقدمة وقادرة على الوصول إلى إسرائيل.

ويرى وايكيرت أن العامل الوحيد الذي يحول دون وصول هذه الأسلحة إلى أهداف حيوية داخل إسرائيل وتدميرها هو منظومات الدفاع الجوي التي لا تعمل في إسرائيل فحسب، بل أيضا حول القواعد العسكرية الأميركية الواقعة

بين إيران وإسرائيل، إضافة إلى شبكات الدفاع الجوي التابعة لجيران إسرائيل العرب.

وتستفيد إسرائيل من طوق إقليمي للدفاع الجوي تدعمه القوة العظمى الوحيدة المتبقية في العالم، الولايات المتحدة. لكن حتى ذلك له حدوده.

ومنذ حرب الأيام الاثني عشر الصيف الماضي، بات الإسرائيليون والأميركيون يقتربون من تلك الحدود. ويتجلى ذلك بشكل خاص في مجال الدفاعات الجوية.

ففي العام الماضي، تحدث مسؤولون عسكريون إسرائيليون، شريطة عدم الكشف عن هوياتهم، إلى الصحافة الإسرائيلية عن مخاوفهم من أن الإيرانيين أجبروا إسرائيل على استهلاك عدد من صواريخ الاعتراض الدفاعية يفوق قدرتها على

التعويض. وفي الوقت نفسه، أدت المساعدات المقدمة إلى أوكرانيا إلى استنزاف المخزونات الأميركية الحيوية من ذخائر الدفاع الجوي بوتيرة أسرع مما يمكن تعويضه بشكل موثوق.

ويرى وايكيرت أنه سواء انهار النظام الإسلامي الإيراني أم لا، فإن ذلك لم يعد ذا صلة في هذه المرحلة. فاستنادا فقط إلى الحجم الهائل من الصواريخ والأسلحة فرط الصوتية والطائرات المسيرة التي تمتلكها إيران، يمكن لطهران أن تأمر بتنفيذ

“هجوم السرب الأعظم” الذي يغمر دفاعات الصواريخ في المنطقة ويسوي الممرات الاقتصادية في تل أبيب وحيفا بالأرض، على سبيل المثال.

وعلى الرغم من الخطاب المتفاخر الصادر من تل أبيب، لا بد أن يدرك الإسرائيليون أن احتمال حدوث مثل هذه النتيجة الكارثية ليس ضئيلا، ولاسيما إذا كان النظام الإيراني على وشك السقوط. وحتى إن لم يسقط، فمن المرجح أن يرد بشكل أشمل بكثير مما فعل في السابق، ببساطة لأنه سيحاول إعادة ترجيح الوضع الأمني لصالحه. وحتى إذا وضعنا جانبا مسألة الأسلحة النووية، التي قد تكون إيران قادرة على تصنيعها في وقت قصير، فإن هجوما بسرب من الأسلحة فرط الصوتية، والصواريخ التقليدية بعيدة المدى، والطائرات المسيرة، قد يلحق بإسرائيل وبالقواعد الأميركية في المنطقة أضرارا تفوق بكثير أي أضرار سابقة.

ويقول وايكيرت إن هذا يعيدنا إلى الخروج الغامض لأولئك الدبلوماسيين الروس وعائلاتهم من إسرائيل. فمن المرجح جدا أنه إذا كانت إيران تخطط لما تعتبره “خيار شمشون” ضد إسرائيل، فإن الروس أرادوا إخراج مواطنيهم قبل أن تنفجر الأوضاع بالكامل فوق إسرائيل.

ويخلص وايكيرت إلى أنه سيتبين قريبا بما يكفي أي نتيجة ستواجهها إسرائيل، إما ردا انتقاميا مروعا من إيران لم تكن تتوقعه بعد، أو أن النظام يطاح به فعلا وتبدو الأمور أفضل بكثير استراتيجيا بالنسبة لإسرائيل.