كتابات وآراء


الأربعاء - 14 يناير 2026 - الساعة 12:31 ص

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر - ارشيف الكاتب



السلام عليكم أيها الآباء أيها الإخوة والأخوات المشاركين في مؤتمر الحوار الجنوبي-الجنوبي في عاصمة المملكة العربية السعودية الشقيقة الرياض.

لا أريد أن أطيل الحديث حول أهمية حواركم وما هو منتظرٌ منكم من قبل الشعب الجنوبي، لكنني سأبدأ بافتراض أنكم ستعقدون اجتماعاتكم في أجواء من الودية والحرية والندية بعيداً عن أية ضغوط أو إملاءات من أحد، كما عودنا الأشقاء في المملكة ومعهم بقية الأشقاء في دول مجلس التعاون الخليجي، ومن ثم الانطلاق نحو أفق جديد في علاقة أبناء الجنوب ببعضهم وبشعبهم وبالمشروع الذي يريدونه منكم.

ومن هذا المنطلق اسمحوا لي أن أشير إلى القضايا التالية:

1. إن الحوار الجنوبي-الجنوبي يجب أن ينطلق من تحديات المستقبل وليس من ترسبات الماضي وهو ما يستدعي التوقف عن النبش في صرعات الماضي ومغالباته، والانطلاق من حكمة التصالح والتسامح التي رفع الجنوبيون شعارها على مدى أكثر من 18 عاماً في محاولة تكريسها كثقافة وقيمة أخلاقية لا كشعار إعلامي فقط، كما يعني هذا استبعاد ثقافة الانتقام والثأر وتصفية الحسابات وترك صراعات الماضي للتاريخ وأجياله القادمة ليستنبطوا منها العبر والدروس لا ليثأر عبرها بعضهم من بعض، ذلك إن التحدي الذي أمام شعبنا يتطلب مقداراً من السمو الأخلاقي والمسؤولية الوطنية العاليةقبل كل شيء.

2. إن وحدة 1990م وما تعرضت له من عواصف وحروب دامية في العام 1994م و2015م و2019م و2026م كل هذه الأحداث جاءت لتبرهن أن خيار الدولة اليمنية الاندماجية الواحدة أصبح مستحيلاً، وأن البناء على خيار الغلبة وثنائية الغالب والمغلوب، والمنتصر والمهزوم أو الأغلبية والأقلية السكانية لا تبني دولة متجانسة متماسكة قابلة للحياة، وقد جربنا هذا الخيار خلال واحدٍ وثلاثين عاماً ما بعد العام 1994م لكنه أثبت فشله، والإصرار على تكرار تجريبه مرةً أخرى لن يؤدي إلا إلى ضياع عقود أخرى من عمر الشعبين في الشمال والجنوب يعيشونها في أجواء النزاع والاحتراب والمشاحنة والكراهيات المتناسلة عن عطب السياسات وحماقات المكابرة.

3. وانطلاقاً من النقطة السابقة يمكن القول بقناعة هي أقرب إلى اليقين إن خيار الدولتين اليمنيتين المستقرتين المتجاورتين المتعايشتين المتسامحتين المتشاركتين، هو الخيارالممكن والأفضل أمام الشعبين الشقيقين في جنوب اليمن وشماله وأن عملية دمج المنتصر والمهزوم أو الغالب والمغلوب في كيان واحد هو من الخيارات المستحيلة لانه يبقي على عوامل الانفجار كامنةً حتى تحين لحظة اندلاعها، كما جرى في 1994م حيث ما لبث اللهب إن اندلع في 2007م واستمر حتى وصل إلى 2015م وما تلاه من تطورات وتداعيات، أما ما حصل بالأمس القريب وما تزال تداعياته تستمر، فليس سوى محطةٍ ستليها محطات قد لا يرضى عنها الذين يرغبون في تعسف قوانين التاريخ ونواميس الطبيعة والمجتمع.

إننا نقول هذا ليس من باب الرغبات أو التمنيات، لكن من وحي الواقع المعاش على الأرض، فالبلد المفترض أنه واحدٌ موحدٌ يعيش حالة الدولتين، ولم يكن مجرد انقلاب الحوثيين وشركائهم هو السبب، بل إن الأسباب الموضوعية التي قد ينكرها أو يجهلها البعض تكمن وراء هذا، فالشمال رضي أن يتعايش مع الانقلابيين بينما رفض الجنوب هذا التعايش معهم، وحرر أرضه في أقل من مائة يوم، ومن ينكر هذا فإنه كمن يعيش خارج الواقع أو كمن يحجب ضوء الشمس بالغربال، وكما نعلم فإن تجربة االعقود الثلاثة ونيف التي عاشها الشعبان منذ العام 1990م حتى اللحظة الراهنة تبرهن استحالة البقاء قسريا في وضع الدولة الواحدة التي لا تتوفر لها شروط البقاء والنمو، ثمَّ إن العودة إلى وضع الدولتين لا يفرض بالضرورة أن تكون العلاقة بين الشعبين والنظامين والدولتين علاقات عدائية أو تنافرية، فالخروج الآمن من الوضع الراهن سيضع محددات تكفل للدولتين الشقيقتين من المشتركات والمصالح ما يجعلهما أقرب إلى بعضهما من حالة الدولة الراهنة التي لا حمت الشمال ولا أمنت الجنوب وأبقت الشعبين في حالة من القابلية للانهيار والذهاب نحو اللادولة.

4. إن العودة إلى وضع الدولتين لن تتم بين عشيةٍ وضحاها، بل إنها ستتأتي من خلال تفاوض ثنائي (جنوبي-شمالي) وفي كل الأحوال سنحتاج إلى فترة انتقالية يمكن الاتفاق على مدتها ، ولتكن من سنتين أو حتى خمس سنوات لكي يتم خلالها البت في مختلف القضايا التي تمس حقوق وواجبات الطرفين والمشتركات بينهما والعلاقات بين الدولتين المستقبليتين.

5. إنه هو في حالة الاتفاق على أن يكون نظام الدولة خلال الفترة الانتقالية على شكل اقليمين شمالي وجنوبي وسيكون لدى الشماليين ما يمكن أن يقولوه ويفعلوه في ما يخص إقليمهم وطريقة إدارة وضعهم، لكنني أرى أن بقاء الجنوب موحداً لن يكون إلا في إطار كيان فيدرالي يمنح الاستقلالية المالية والادارية والتنظيمية لمكوناته الداخلية التي يمكن أن نسميها بالمقاطعات أو الولايات أو حتى المحافظات، وفي هذه السياق إنني أرى أن نظام المحافظات الثمان القائم حاليا، أو الست الذي أسس عام الاستقلال عن بريطانيا (1967م) لم يعد صالحاً للاستمرار وأنه لا بد من مراعاة الظروف والعلاقات والتمايزات الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والاجتماعية، ولا بأس أن يكون في الجنوب القادم 15، أو حتى عشرين محافظة (أو ولاية، أو مقاطعة) فالأهم هو ليس عدد السكان أو المساحة، لكن الأهم هو أن يحتكم الجميع إلى الحياة المؤسسية وإلى دولة القانون والمواطنة المتساوية وكل ما تتطلبه الدولة المدنية الحديثة من مبادئ الحوكمة والعدالة الاجتماعية والأمان الاجتماعي وكرامة الإنسان وحريته وحمايته من الضياع أو الخوف أو التعرض للذل والإهانة، داخل البلد أو خارجه، وتوفير كل ما يستجيب لتحديات التنمية والنهوض بالمستقبل وبناء حياة مزدهرة لأجياله اللاحقة.

والله ولي الهداية والتوفيق

أخوكم عيدروس نصر النقيب