عرب وعالم

الخميس - 08 يناير 2026 - الساعة 10:46 ص بتوقيت اليمن ،،،

العرب


تتجه الأزمة بين الحكومة السورية وقوات سوريا الديمقراطية (قسد) نحو نقطة اللاعودة، مع انهيار الهدنة الهشة التي كان تم التوصل إليها قبل أشهر قليلة، وتعثر الجهود لاحتواء التصعيد الجاري في حلب، شمالي البلاد.

وبدأ الجيش السوري بعد ظهر الأربعاء، قصف حيي الأشرفية والشيخ مقصود ذوي الغالبية الكردية في مدينة حلب، بعيد انتهاء مهلة حدّدها لخروج المدنيين منهما، غداة اندلاع اشتباكات دامية تعدّ الأعنف بين الطرفين.

وكانت هيئة العمليات في الجيش السوري أعلنت في وقت سابق، أن كافة مواقع تنظيم قسد العسكرية داخل الشيخ مقصود والأشرفية هي هدف عسكري مشروع.

وحثت الهيئة المدنيين في الحيين الابتعاد الفوري عن مواقع قوات سوريا الديمقراطية، معلنة عن فتح معبرين إنسانيين.

وأوضحت هيئة العمليات في الجيش العربي السوري "يعد حيا الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب منطقةً عسكريةً مغلقةً بعد الساعة الثالثة بعد ظهر الأربعاء".

وخرج الآلاف من السكان بينهم نساء وأطفال ومسنون من الحيين عبر المعبرين الذين حدّدتهما السلطات، بعضهم سيرا على الأقدام وآخرون في سيارات وشاحنات صغيرة.

وحمل بعض السكان أمتعتهم بينما اصطحب بعضهم مواشيهم أو حيواناتهم الأليفة معهم.

وقال أحد السكان ويدعى أحمد (38 عاما) وهو يحمل ابنه على ظهره بعد خروجه من الشيخ مقصود، من دون كشف شهرته، "هربنا من الاشتباكات ولا نعرف إلى أين نتجه، نحاول ضمان أمن العائلة".

وأضاف بحسرة "أظن أن 14 سنة من الحرب كافية. نريد للمعارك أن تتوقف وأن يحب الناس بعضهم البعض".

ووجد عمار راجي (41 سنة) نفسه الأربعاء يعيش تجربة النزوح للمرة الثانية، بعدما دفعته المعارك قبل سنوات إلى النزوح من مسقط رأسه في مدينة منبج.

وقال الرجل الذي يقطن حي الاشرفية منذ ست سنوات بينما حمل قطته وخلفه جموع من الناس "لم أفكر بالخروج من الأشرفية سابقا، لكن الوضع بات مأساويا. لدي ستة أولاد بينهم طفلان صغيران". وتابع "لا أعرف أين أذهب.. أخشى ألا نعود".

وتشهد مناطق في حلب تصعيدا خطيرا منذ مساء الاثنين بين قوات سوريا الديمقراطية والقوات الحكومية، أسفرت عن سقوط قتلى معظمهم من المدنيين، وسط تبادل الطرفين الاتهامات بالمسؤولية عن التصعيد الجاري.

وجاءت هذه التطورات الدراماتيكية في أعقاب فشل جولة محادثات جديدة بين قسد، الذراع العسكرية للإدارة الذاتية الكردية، والسلطة الانتقالية، لتنفيذ اتفاق العاشر من مارس الماضي.

وتثير المواجهات في حلب مخاوف جدية من تحولها إلى حرب شاملة بين الجانبين الأمر الذي سيدخل سوريا في دوامة جديدة من العنف في الوقت الذي يتطلع فيه السوريون للاستقرار وإعادة بناء بلادهم بعد أربعة عشر عاما من حرب أهلية دامية.

وتبقى الرهانات على الجهود الدولية ولاسيما الأميركية للضغط على الجانبين للعودة إلى التهدئة.

وأعلنت قوات الأمن الكردية في بيان أنها تمكنت من إفشال "أول محاولة توغل.. باستخدام الدبابات" بعيد انتهاء المهلة التي حددها الجيش.

واتهمت المسؤولة الكردية البارزة في الإدارة الذاتية إلهام أحمد السلطات بإعلان "حرب الإبادة بحق الأكراد" داعية إلى "حل المشاكل بالحوار".

في المقابل ذكر مسؤول مكتب الإدارة الذاتية في دمشق عبدالكريم عمر أن "هناك مساع نحو التهدئة، ولا مصلحة لأحد في التصعيد"، مؤكدا "تواصل كل الأطراف والدول الضامنة بما في ذلك الولايات المتحدة من أجل التهدئة".

ولفت إلى أن "من يحمي الحيين هم قوات الأمن الداخلي (الأسايش) ولا يمتلكون سوى أسلحة فردية".

وقالت جود سرجيان، وهي ربة منزل تبلغ من العمر 53 عاما ومقيمة في حي السريان المجاور لمناطق الاشتباكات "كل أقاربنا يسكنون في حي السريان وليس لدينا مكان آخر ننزح إليه، لذا سنبقى في منزلنا".

وتسيطر القوات الحكومية على حلب منذ أطاحت الحُكم السابق، لكنّ قوات كردية محلية مرتبطة بقوات سوريا الديمقراطية وقوى الأمن الداخلي التابعة لها (الأسايش) تسيطر على حيي الشيخ مقصود والأشرفية.

ويتبادل الطرفان منذ أشهر الاتهامات بإفشال الجهود المبذولة لتطبيق الاتفاق الذي وقّعه قائد قوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي والرئيس أحمد الشرع في 10 مارس.

وكان يُفترض إنهاء تطبيق بنوده بنهاية 2025، إلا أن تباينا في وجهات النظر بين الطرفين حال دون إحراز تقدم، رغم ضغوط تقودها واشنطن بشكل رئيسي.

وتشكل كيفية اندماج قوات قسد ضمن الجيش السوري الجديد أحد النقاط الخلافية الكبرى، فقوات سوريا الديمقراطية تطالب بأن يكون هذا الاندماج في شكل كتل وفرق كبيرة، كما تصر على أن لا تتولى قوات من خارج المنطقة تأمين مناطق سيطرتها في شمال شرق سوريا، في المقابل ترفض دمشق هذا الطرح.

وكانت القوات الكردية اتّهمت الثلاثاء فصائل منضوية في صفوف الجيش السوري بقصف مدينة دير حافر، الواقعة على مسافة نحو خمسين كيلومترا شرق مدينة حلب، ومحيط سد تشرين الاستراتيجي الواقع شمال شرق حلب "بقذائف الهاون والأسلحة الثقيلة".

والشهر الماضي، قُتل خمسة أشخاص بينهم أربعة مدنيين في مدينة حلب جراء اشتباكات بين القوات الحكومية وقوات سوريا الديمقراطية، وحضّ وزير الخارجية التركي هاكان فيدان من دمشق القوات الكردية على "ألا تعود لتشكّل عائقا أمام وحدة الأراضي السورية واستقرارها".

وأعادت الاشتباكات في حلب إلى أذهان السكان المعارك التي شهدتها المدينة خلال سنوات النزاع، بدءا من العام 2012 حتى 2016، بين القوات الحكومية السابقة والفصائل المعارضة التي سيطرت لسنوات على الأحياء الشرقية التي تعرضت لحصار محكم وقصف، قبل إخلاء عشرات الآلاف من السكان والمقاتلين منها.