كتابات وآراء


الثلاثاء - 06 يناير 2026 - الساعة 08:55 م

كُتب بواسطة : توفيق جوزليت - ارشيف الكاتب



ما يجري في الجنوب هو محاولة منهجية لتفكيك الهوية الجنوبية . فالمقاربة السعودية تجاه القضية الجنوبية تحوّلت بوضوح إلى مشروع إخضاع، هدفه النهائي كسر الإرادة الجنوبية وتحويلها إلى كيان بلا قرار ولا هوية.

إن استهداف المجلس الانتقالي الجنوبي لا يمكن قراءته خارج هذا السياق. فالهجوم عليه لا يرتبط فقط بأدائه السياسي، ولا بأخطائه (إن وُجدت ) بل لأنه يمثّل التجسيد السياسي الأبرز للهوية الجنوبية المقاومة للوصاية. ومن هنا، يصبح إضعافه ضرورة لمن يسعى إلى إفراغ الجنوب من أي تمثيل حقيقي يعبر عن تاريخه و هويته.

تعتمد الرياض في هذا المسار على سياسة قديمة متجددة "فرّق تسد " تفكيك الصف الجنوبي، تغذية الانقسامات، خلق كيانات بديلة بلا عمق شعبي، والهدف الفعلي هو ضرب وحدة الهوية الجنوبية وتحييدها سياسيًا.

ويأتي غياب الدور الإماراتي، الذي كان يشكّل توازنًا في مرحلة سابقة، ليمنح السعودية فرصة الانفراد الكامل بالملف الجنوبي، وإعادة هندسة المشهد وفق منطق السيطرة المطلقة، لا وفق إرادة أبناء الأرض. الجنوب لدى الرؤية السعودية ليس شعبًا له هوية و حق تاريخي في استعادة دولته بل ملف يُدار، و منطقة نفوذ يسيطر عليها .

الأخطر من ذلك أن هذا النهج لا يستهدف الحاضر فقط، بل يسعى إلى محو الذاكرة الجنوبية و طمس الهوية و تفريغ القضية من مضمونها الوطني، إنها مؤامرة لإلغاء الجنوب سياسيًا، تمهيدًا لإلغائه هوياتيًا.

لكن من يراهن على كسر الهوية الجنوبية يراهن على الوهم. فالهويات التي تشكّلت عبر النضال والتضحيات لا تُمحى بالقرارات، ولا تُلغى بالمؤامرات، ولا تُدفن تحت ركام الوصاية. والتاريخ أثبت مرارًا أن الشعوب قد تُهزم عسكريًا مؤقتًا، لكنها لا تُهزم في وعيها.

إن ما يجري اليوم في أرض الحنوب صراع وجود. والجنوب شعب حيّ، له هوية راسخة، وإرادة لن تُكسر، وقضية لن تُصفّى مهما تعددت أدوات الضغط وتغيّرت الوجوه. وأي مشروع يتأسس على إنكار هذه الحقيقة، لن ينتج استقرارًا، بل يؤسس لانفجار قادم… لأن الجنوب الذي يُراد له أن يُمحى، سيعود ليُعلن نفسه من جديد.

الجنوب قضية شعب، والرهان على ترويضه أو تفكيكه هو رهان خاسر مهما طال الزمن. وعلى السعودية أن تدرك أن احترام الهوية الجنوبية والشراكة الحقيقية مع إرادة أبنائها هو الطريق الوحيد لأي دور إيجابي، أما الإصرار على سياسة الإخضاع، فلن يكتب لها سوى الفشل و لو طال الزمن والتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه.
.