أخبار وتقارير

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 12:29 م بتوقيت اليمن ،،،


لا يقتصر تطور القدرات العسكرية للحوثيين على تلقي شحنات الأسلحة الإيرانية وإعادة تجميعها، بل يتجه، وفق تقرير جديد، نحو محاولة امتلاك قدرات تصنيع محلية لصواريخ باليستية متوسطة المدى، بالاستعانة بمكونات وتقنيات مستوردة من الصين. ويفتح هذا التطور احتمال انتقال الجماعة إلى مرحلة أكثر تقدماً في بناء ترسانتها، بما قد يوسع نطاق التهديد الذي تمثله للسعودية وإسرائيل، ويزيد تعقيد الحسابات الأمنية في المنطقة.

وكشفت صحيفة «وول ستريت جورنال»، استناداً إلى تقرير لمنظمة أبحاث تسليح النزاعات، أن الحوثيين استوردوا مكونات من مورد صيني تدخل في تصنيع نسخة من الصاروخ الإيراني «خيبر شكن»، الذي يصل مداه إلى نحو 1930 كيلومتراً. غير أن ضبط هذه المكونات لا يعني أن الجماعة نجحت بالفعل في إنتاج صاروخ عامل، إذ لا تزال المعلومات المتاحة غير كافية لتحديد مستوى التقدم الذي أحرزته في هذا المسار.

واستند تقرير المنظمة إلى معلومات قدمتها السلطات اليمنية في يوليو الماضي، بعد اعتراض شحنتين خلال العام السابق، احتوتا على معدات لصناعة الصواريخ أخفيت وسط بضائع متنوعة. وشملت المضبوطات أجزاء معدنية مصنعة خصيصاً للصواريخ، ومكونات للمحركات والهياكل الأساسية، وزعانف لتثبيت الصاروخ أثناء الطيران، إلى جانب أدوات اختبار ومواد عازلة للحرارة.

وتكتسب هذه المكونات أهميتها من طبيعة الصاروخ المستهدف. فقد كشف خبراء المنظمة عن وجود أجزاء مرتبطة بسلسلة «خيبر شكن» الإيرانية، وهو صاروخ يعمل بالوقود الصلب، صُمم ليكون متحركاً وقادراً على المناورة في المرحلة النهائية من الطيران، بما يزيد صعوبة اعتراضه بواسطة أنظمة الدفاع الجوي.

وقال فابيان هينز، كبير المحللين في منظمة أبحاث تسليح النزاعات، إن وجود واردات من هذا النوع قد يعني أن عملية التصنيع بدأت بالفعل، أو أن الحوثيين يحاولون تطويرها من دون أن يكونوا قد نجحوا بعد. وتظل المنشآت العسكرية التابعة للجماعة محاطة بالسرية والتمويه، الأمر الذي يصعّب تقييم قدرتها الإنتاجية الفعلية.

ويعني نجاح الحوثيين في تصنيع نسخة من الصاروخ امتلاكهم، نظرياً، وسيلة لاستهداف مواقع بعيدة بحمولات متفجرة أكبر مما يمكن أن تحمله بعض الصواريخ الأقصر مدى والطائرات المسيّرة. وقال هنري تومبسون، الخبير السابق في فريق خبراء الأمم المتحدة المعني بالعقوبات على اليمن، إن حصول الجماعة على صواريخ باليستية متوسطة المدى سيجعلها تهديداً أشد خطورة، خصوصاً في العمق السعودي.

ولا ينفصل هذا المسار عن التحول الذي طرأ على صناعة الأسلحة لدى الحوثيين خلال السنوات الماضية. فبعد الاعتماد على صواريخ ترسلها إيران ليعاد تجميعها واستخدامها، باتت الجماعة، بحسب محللين، تعمل على تطوير قدرات محلية وتنويع مصادر حصولها على المكونات، بما يمنحها هامشاً أوسع في مواصلة الإنتاج والصيانة والتطوير.

وقال محمد الباشا، مؤسس شركة «باشا ريبورت» للاستشارات المتخصصة في المخاطر، إن الحوثيين طوروا قدرات تصنيع محلية، واكتسبوا خبرات تشغيلية، ووسعوا علاقاتهم مع شبكات التهريب والمشتريات الدولية. ويشير ذلك إلى أن التحدي لا يتعلق فقط بمصدر الصواريخ، بل أيضاً بقدرة الجماعة على بناء منظومة إمداد تساعدها على مواصلة تطوير أسلحتها رغم القيود والعقوبات.

وتبرز الصين في هذا السياق بوصفها مصدراً مهماً للمكونات التي تضبط أثناء شحنها إلى الحوثيين، وفق تقارير أممية وبيانات خبراء الأسلحة أوردتها الصحيفة. كما أشار خبراء إلى أن موردين صينيين يوفرون أجزاء تستخدم في الطائرات المسيّرة والصواريخ، وبعضها مصنف ضمن السلع ذات الاستخدام المزدوج، التي يمكن أن تدخل في تطبيقات مدنية وعسكرية على حد سواء.

وتؤكد بكين التزامها بحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على الحوثيين. لكن وصول مكونات متخصصة إلى الجماعة يثير تساؤلات بشأن قدرة الرقابة على منع تحويل التقنيات والسلع التجارية إلى أدوات في برامج تسلح غير مشروعة، ولا سيما عندما تمر عبر وسطاء وشبكات شراء دولية.

ويأتي الكشف في وقت تصاعدت فيه هجمات الحوثيين على السعودية خلال الأسابيع الأخيرة، بالتزامن مع استمرار التوترات في مضيق هرمز واستهداف السفن التجارية. وقد أثارت هذه التطورات مخاوف بشأن أمن الطاقة والممرات البحرية، فيما عبّر الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن استيائه من سلوك الحوثيين.

ومن شأن امتلاك الجماعة صواريخ متوسطة المدى أكثر تطوراً أن يضيف بعداً جديداً إلى هذه المخاوف، عبر توسيع نطاق الأهداف المحتملة وزيادة الضغط على أنظمة الدفاع الجوي. لكن مدى الصاروخ وحده لا يحدد مستوى التهديد؛ إذ يعتمد ذلك أيضاً على نجاح التصنيع، ودقة التوجيه، والقدرة على تشغيل المنظومة بصورة موثوقة، فضلاً عن طبيعة الرؤوس الحربية التي يمكن استخدامها.

ويكشف التقرير، في المحصلة، عن مسار يستحق المتابعة يتجاوز ضبط شحنات الأسلحة إلى احتمال بناء قدرة صاروخية محلية لدى الحوثيين. وإذا نجحت الجماعة في تحويل المكونات المستوردة إلى منظومة إنتاج فعالة، فقد تصبح أكثر قدرة على تعويض خسائر ترسانتها وتقليل اعتمادها المباشر على الشحنات الإيرانية. أما في الوقت الراهن، فتبقى الفجوة قائمة بين رصد مكونات مخصصة للتصنيع وإثبات إنتاج صاروخ متكامل، وهي فجوة ضرورية لفهم حجم التهديد من دون التقليل من مخاطره أو المبالغة في تقدير قدرات الجماعة.