أخبار عدن

الأربعاء - 14 أكتوبر 2026 - الساعة 12:28 م بتوقيت اليمن ،،،


لا يفصل عيدروس الزبيدي بين مواجهة الحوثيين والدفاع عن المشروع السياسي للجنوب. ففي خطابه بمناسبة الذكرى الثالثة والستين لثورة الرابع عشر من أكتوبر، أدان الهجمات الحوثية على السعودية، ودعا إلى التعبئة الشعبية للدفاع عن الجنوب، بالتوازي مع مطالبة الرياض والمجتمعين الإقليمي والدولي بالاعتراف بالإعلان الدستوري والبيان السياسي للمجلس الانتقالي. ويضع هذا التلازم خطابه عند تقاطع مساندة السعودية في مواجهة التصعيد الحوثي ومحاولة تثبيت نفسه طرفاً أساسياً في أي ترتيبات مقبلة بشأن اليمن.

وتكتسب هذه المعادلة أهميتها من أن الحرب الدائرة تفرض إعادة ترتيب الأولويات أمام القوى اليمنية المناهضة للحوثيين، في وقت تتزايد فيه المخاوف من اتساع المواجهة وانعكاساتها على أمن السعودية والممرات البحرية الحيوية، وفي مقدمتها باب المندب. لكن وحدة الموقف من التهديد الحوثي لا تعني بالضرورة تطابق الرؤى بشأن شكل الدولة اليمنية ومستقبل القضية الجنوبية.

وتحمل المواقف العامة المساندة للسعودية دلالة سياسية في سياق التصعيد، إذ تتيح للزبيدي تأكيد أن المجلس الانتقالي لا يقف خارج حسابات المواجهة مع الحوثيين، وأن أمن المنطقة واستقرارها يمثلان جزءاً من المشهد الذي يتحرك فيه. غير أن هذه المساندة، ما لم تقترن بإعلان واضح عن خطوات عسكرية أو التزامات محددة، لا تكفي للقول إن المجلس قرر الانخراط المباشر في الحرب أو غيّر أولوياته السياسية.

ويرى مراقبون أن عيدروس الزبيدي يسعى إلى استثمار التصعيد الحوثي لإعادة تأكيد موقعه السياسي في الجنوب، وإبراز دور المجلس الانتقالي بوصفه طرفاً لا يمكن تجاوزه في أي مواجهة تهدف إلى إضعاف الحوثيين. وتأتي هذه الحسابات في ظل الخلافات القائمة بين المجلس والسعودية بشأن مستقبل الجنوب وترتيبات السلطة في اليمن، ما يجعل خطاب المساندة للرياض فرصة لتأكيد التقاطع في مواجهة الحوثيين، من دون التخلي عن المشروع السياسي للانتقالي.

وفي هذا السياق، تبدو مطالبة الزبيدي بقبول سعودي وإقليمي بالبيان السياسي والإعلان الدستوري للمجلس أبعد من مجرد موقف داعم للسعودية؛ فهي محاولة لربط التطورات الأمنية بالاعتراف بموقع المجلس ومطالبه السياسية. لكن نجاح هذه المقاربة يظل مرتبطاً بمدى استعداد الرياض وشركائها للتعامل مع القضية الجنوبية ضمن أي تسوية مقبلة، وبقدرة المجلس على إثبات دوره في مواجهة الحوثيين من دون أن تتحول الخلافات حول مستقبل الجنوب إلى عامل إضافي لتعقيد المشهد اليمني.

ويحتل المجلس الانتقالي موقعاً مهماً في هذه المعادلة بالنظر إلى حضوره في جنوب اليمن، حيث تتقاطع الاعتبارات المحلية مع حسابات الأمن الإقليمي، خصوصاً في المناطق القريبة من خليج عدن وباب المندب. لكن هذا الموقع لا يعني أن المجلس يمتلك وحده القدرة على تحديد مسار المواجهة أو شكل التسوية، إذ تتداخل أدوار الحكومة اليمنية والقوى المحلية والدول الإقليمية، وتختلف تصورات هذه الأطراف بشأن إدارة المرحلة المقبلة.

ومن شأن أي تصعيد طويل أن يضع القضية الجنوبية أمام معادلة دقيقة: الاستفادة من التحولات لتعزيز حضورها في النقاش السياسي، من دون أن يؤدي الانشغال بالحرب إلى تهميش المطالب الجنوبية أو تحويلها إلى ملف مؤجل. وفي المقابل، فإن ربط هذه القضية حصراً بالتطورات العسكرية قد يجعل مسارها أكثر ارتباطاً بتوازنات متغيرة لا يملك المجلس التحكم فيها بمفرده.

وتحتاج العلاقة بين المجلس الانتقالي والسعودية إلى قراءة تتجاوز ثنائية التأييد والاختلاف. فالتقاطع في مواجهة الحوثيين قد يفتح مجالاً للتنسيق بشأن أمن الجنوب والممرات البحرية، لكنه لا يلغي الأسئلة المتعلقة بمستقبل الدولة اليمنية، وترتيبات السلطة، وموقع القضية الجنوبية في أي تسوية شاملة.

ومن هذا المنطلق، يمكن أن يكون خطاب الزبيدي محاولة لتأكيد الاستعداد للتعامل مع التحديات الأمنية المشتركة، مع توجيه رسالة إلى الداخل الجنوبي بأن التصعيد لا يبدل جوهر المطالب السياسية. غير أن تحديد ما إذا كانت هذه الرسالة تمثل تحولاً في العلاقة مع الرياض أو مجرد استمرار لموقف سابق يتطلب مؤشرات إضافية، مثل مواقف رسمية أكثر تفصيلاً أو خطوات عملية في التنسيق السياسي والعسكري.

كما أن مساندة السعودية لا تعني بالضرورة تطابق حسابات الطرفين في جميع الملفات. فلكل منهما أولوياته، وقد تتقاطع هذه الأولويات في مواجهة الحوثيين، بينما تظل الاختلافات قائمة بشأن ترتيبات الحكم ومستقبل الجنوب.

والسؤال، الذي يحتاج إلى الوقت للإجابة عليه، ليس فقط ما إذا كان الزبيدي يستثمر التصعيد لتعزيز موقعه، بل كيف يمكن للمجلس الانتقالي الحفاظ على حضوره السياسي في ظل حرب قد تعيد ترتيب موازين القوى.