عرب وعالم

الإثنين - 12 أكتوبر 2026 - الساعة 11:56 ص بتوقيت اليمن ،،،


تضع الهجمات الحوثية المتصاعدة على السعودية عرض إيران تسهيل الحوار بين الرياض واليمن أمام اختبار يتجاوز التصريحات الدبلوماسية إلى مدى قدرة طهران على المساهمة في وقف التصعيد. فبعد هجوم دامٍ استهدف مطار الملك خالد الدولي في الرياض، أجرت الرياض وطهران أول اتصال معلن على مستوى وزيري الخارجية منذ تكثيف الهجمات، في خطوة تزامنت مع تزايد المخاوف من اتساع المواجهة إلى جبهات إقليمية أخرى.

وقالت وكالة الأنباء السعودية إن وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان ونظيره الإيراني عباس عراقجي بحثا، الأحد، التصعيد الأخير في المنطقة والجهود المبذولة لمعالجته. وفي منشور على حسابه في تطبيق «تيليغرام»، قال عراقجي إن طهران مستعدة لتقديم أي مساعدة لتسهيل الحوار بين السعودية واليمن. ولم يتضمن الإعلان السعودي تفاصيل عن نتائج الاتصال أو إشارة إلى قبول الرياض عرض الوساطة الإيراني.

ويكتسب الاتصال أهميته من توقيته؛ إذ جاء وسط هجمات متلاحقة على منشآت حيوية في المملكة. فقد أسفر هجوم على مطار الملك خالد السبت عن مقتل 13 شخصاً وإصابة أكثر من 300، وفق حصيلة أوردتها رويترز. وفي اليوم التالي، أدى استهداف جديد للمطار إلى مقتل شخص وإصابة 11 آخرين، فيما أعلنت السلطات السعودية اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة في مناطق أخرى.

ولا يمثل عرض طهران الوساطة مبادرة مكتملة المعالم حتى الآن، إذ لم يُعلن عن آلية اتصال مباشرة بين السعودية والحوثيين برعاية إيرانية، أو جدول زمني للمحادثات، أو ضمانات لوقف الهجمات. كما لم يصدر عن الرياض إعلان يفيد بأنها وافقت على المقترح أو أنها تعتبره أساساً لمسار تفاوضي جديد.

وكان وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار قد قال، في 2 أكتوبر، إن إيران اقترحت الانخراط السياسي مع الحوثيين، وإن أعضاء اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة في مكة بين السعودية وتركيا وباكستان سيناقشون الفكرة. لكنه أوضح آنذاك أن المقترح لم يكن عرضاً مكتوباً أو اتفاقاً رسمياً، بل فكرة جرى تداولها بين وزيرين للخارجية باعتبارها بديلاً محتملاً للتصعيد العسكري.

وتكشف هذه المعطيات أن خيار الحوار لم يغب عن الحسابات الإقليمية، لكنه لم يتحول بعد إلى مسار تفاوضي محدد. فالسعودية تواجه هجمات تتجاوز آثارها المنشآت العسكرية إلى المطارات المدنية وحركة الطيران، ما يجعل أي مبادرة لخفض التوتر مرتبطة بقدرتها على وقف الهجمات وضمان عدم تكرارها.

وتواجه طهران اختباراً مزدوجاً: إثبات جدية عرضها للوساطة، وإظهار قدرتها على استخدام علاقاتها مع الحوثيين لدعم خفض التصعيد. لكن العلاقة بين الطرفين لا تعني بالضرورة أن إيران تتحكم بكل قرارات الجماعة أو تستطيع فرض وقف الهجمات عليها بصورة مباشرة.

وتشير تقديرات بحثية إلى أن الدعم الإيراني عزز القدرات العسكرية للحوثيين، خصوصاً في مجالات الصواريخ والطائرات المسيرة، فيما طورت الجماعة على مدى سنوات قدراتها التنظيمية والعسكرية الخاصة. لذلك، فإن تقييم الدور الإيراني يتطلب التمييز بين النفوذ الذي تملكه طهران وبين قدرتها الفعلية على ضمان التزام الحوثيين بأي تفاهم.

ومن شأن تحرك إيراني جاد أن يتجاوز الإعلان عن الاستعداد للوساطة إلى خطوات يمكن رصدها، مثل نقل رسائل واضحة إلى الحوثيين، والعمل على وقف الهجمات على المنشآت المدنية، والمساهمة في تهيئة شروط تفاوض بشأن التصعيد في اليمن. لكن حتى الآن، لا تتوافر تفاصيل معلنة تثبت أن هذه الخطوات قد اتُخذت أو أنها أفضت إلى تغيير في الميدان.

في المقابل، قد تنظر الرياض إلى المقترح الإيراني باعتباره فرصة لاختبار قدرة طهران على المساهمة في تخفيف التهديدات، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الخيارات الدفاعية أو العسكرية. فالهجمات الأخيرة رفعت كلفة الانتظار، وأظهرت أن استمرار المواجهة يهدد حركة الطيران والاستقرار الاقتصادي، فضلاً عن مخاطر توسيع دائرة الحرب.

يتزامن عرض الوساطة مع تصعيد عسكري متبادل في اليمن. فقد كثفت السعودية ضرباتها ضد الحوثيين دعماً للقوات الحكومية اليمنية، عقب تقدم الجماعة في مناطق استراتيجية على الساحل الغربي. ورد الحوثيون بهجمات صاروخية وبطائرات مسيرة استهدفت مطارات ومنشآت حيوية سعودية، بينما هددوا بمزيد من التصعيد إذا استمرت الضربات السعودية.

ويضع هذا المسار جهود الوساطة أمام معضلة واضحة: فكلما اتسعت الضربات وارتفعت الخسائر، تراجعت المساحة السياسية المتاحة للتفاوض، بينما تزداد الحاجة إلى قناة اتصال تمنع تحول الهجمات إلى مواجهة إقليمية أوسع.

ولا يعني الاتصال بين الوزيرين أن انفراجاً بات وشيكاً، كما لا يكفي غياب التفاصيل للحكم على المبادرة بأنها مجرد خطوة إعلامية. فنجاح الوساطة يتوقف على ما إذا كانت طهران ستترجم موقفها إلى تحرك فعلي، وما إذا كان الحوثيون سيوقفون الهجمات، وكيف ستتعامل الرياض مع أي خطوات موثوقة لخفض التصعيد.

وفي المحصلة، يمنح الاتصال السعودي الإيراني الدبلوماسية فرصة جديدة، لكنه يضع إيران أمام اختبار عملي يتجاوز استعدادها المعلن للمساعدة. فالسؤال لم يعد ما إذا كانت طهران راغبة في التوسط، بل ما إذا كانت مستعدة لاستخدام نفوذها لدعم وقف الهجمات، وما إذا كان هذا النفوذ كافياً لإقناع الحوثيين بتغيير مسار المواجهة.