عرب وعالم

الأحد - 11 أكتوبر 2026 - الساعة 12:50 م بتوقيت اليمن ،،،


لا تبدو الهجمات المتكررة على مطار الرياض مجرد تصعيد في وتيرة المواجهة، بل مؤشرا على اتساع نطاق الحرب اليمنية نحو أهداف مدنية حيوية، بما يثير تساؤلات بشأن الضوابط التي حكمت الصراع وحدود استهداف المنشآت المدنية. ومع ارتفاع الخسائر وتعطل حركة الطيران، تتزايد مخاطر انتقال المواجهة إلى مرحلة أكثر اتساعا وكثافة، خصوصا مع تلويح واشنطن بإمكانية التدخل العسكري، في وقت تواجه فيه السعودية اختبارا مزدوجا لحماية عمقها الاستراتيجي ومنع انزلاق الحرب إلى مسارات يصعب احتواؤها.

وتضع الهجمات المتكررة على مطار الملك خالد الدولي في الرياض السعودية أمام اختبار أمني وعسكري يتجاوز التصدي للضربات المباشرة، ليشمل حماية المنشآت المدنية واستمرارية حركة الطيران والحفاظ على ثقة المسافرين وشركات النقل. ويأتي التصعيد في وقت تتسع فيه المواجهة على الجبهة اليمنية، بالتزامن مع محاولات القوات الحكومية استعادة مناطق استراتيجية من الحوثيين، ما يربط بين تطورات الميدان في اليمن وحسابات الأمن الإقليمي.

وتكتسب الهجمات أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها وتكرارها، وما تثيره من تساؤلات بشأن قدرة أنظمة الدفاع على منع وصول التهديدات إلى منشآت حيوية. لكن تقييم فاعلية هذه المنظومات يظل مرتبطا بتوافر معلومات دقيقة عن طبيعة الهجمات ووسائل تنفيذها، ومدى قدرة الدفاعات على اكتشافها واعتراضها، وهي تفاصيل لا تكفي المعطيات الواردة وحدها لحسمها.

في المقابل، فإن انعكاسات التصعيد لا تقتصر على الجانب الأمني، إذ يمكن أن تمتد إلى حركة الطيران والأنشطة الاقتصادية، خصوصا مع اضطرار السلطات إلى تحويل مسارات الرحلات أو تعليق العمليات مؤقتا. كما يضع استهداف مطار رئيسي في العاصمة السلطات أمام معادلة تجمع بين رفع مستوى الحماية وتجنب تعطيل الحياة الاقتصادية، في وقت تستعد فيه الرياض لاستضافة مؤتمرات دولية في مجالي الطاقة والاستثمار.

وتعكس هذه التداعيات حساسية المنشآت المدنية في النزاعات الممتدة، حيث يمكن للهجمات أن تفرض أعباء إضافية على السلطات حتى عندما لا تؤدي إلى تغيير مباشر في خطوط المواجهة. غير أن قياس أثرها الفعلي على ثقة المستثمرين أو حركة الأعمال يحتاج إلى متابعة قرارات شركات الطيران وحجم الإلغاءات، بدلا من افتراض أن التداعيات الأمنية ستتحول بالضرورة إلى خسائر اقتصادية طويلة الأمد.

وتتزامن الهجمات مع تحركات عسكرية تقودها الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية لاستعادة مناطق استراتيجية، بينها مواقع مرتبطة بممر باب المندب. ويمنح هذا التزامن التطورات بعدا أوسع، إذ تتداخل حماية الأراضي السعودية مع مسار المواجهة في اليمن وأمن الملاحة في البحر الأحمر.

وكانت الحرب اليمنية قد شهدت فترات من خفض التصعيد، قبل أن تتجدد المواجهات وتتعثر الترتيبات التي أبقت خطوط القتال مستقرة نسبيا. ويؤدي اتساع العمليات إلى زيادة المخاطر على المدنيين، سواء في المناطق التي تتعرض للغارات أو في المدن والمنشآت الواقعة ضمن نطاق الهجمات، ما يجعل حماية السكان والبنية التحتية المدنية عنصرا أساسيا في تقييم مسار الصراع.

ويضع استمرار المواجهة الأطراف أمام خيارات تتراوح بين مواصلة العمليات العسكرية، وتعزيز الإجراءات الدفاعية، والبحث عن مسار يحد من اتساع الصراع. ولا يعني تصاعد الهجمات بالضرورة أن ميزان القوى قد تغير بصورة حاسمة، لكنه يكشف أن الجبهة اليمنية لا تزال قادرة على إنتاج تداعيات تتجاوز حدودها المباشرة.

وتضيف التصريحات الأميركية عن احتمال الانضمام إلى العمليات ضد الحوثيين بعدا جديدا إلى المشهد. فقد أشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى أن إدارته ستدرس الأمر عقب الهجوم، فيما أدان وزير الخارجية ماركو روبيو استهداف المدنيين. لكن هذه التصريحات لا تعني اتخاذ قرار نهائي بالمشاركة العسكرية، كما أن طبيعة أي تدخل محتمل ونطاقه وأهدافه لم تتضح بعد.

وتواجه واشنطن، في حال بحث توسيع دورها، اعتبارات تتعلق بحماية المصالح الأميركية وأمن الملاحة والمنشآت المدنية، مقابل مخاطر الانخراط في مواجهة قد تتسع جغرافيا وتزيد من تعقيد الحرب اليمنية. لذلك يبقى التمييز ضروريا بين الإدانة السياسية للهجمات، وتقديم دعم دفاعي، والمشاركة المباشرة في العمليات الهجومية؛ فلكل مسار تداعيات مختلفة على مسار النزاع.

أما بالنسبة إلى الرياض، فإن اختبار الردع لا يرتبط فقط بقدرتها على الرد على الهجمات، بل أيضا بمدى قدرتها على الحد من تكرارها وحماية المنشآت الحيوية وتقليص تأثيرها على المدنيين والاقتصاد. وفي الوقت نفسه، لا يمكن فصل هذه المهمة عن تطورات الجبهة اليمنية، حيث يظل استقرار الممرات الاستراتيجية وتقليص مخاطر التصعيد مرتبطين بمآلات المواجهة السياسية والعسكرية.

وتشير التطورات إلى أن حماية العمق السعودي وأمن الملاحة في البحر الأحمر باتا ملفين متداخلين في حسابات الحرب. لكن اتجاه المرحلة المقبلة سيظل مرهونا بطبيعة الرد السعودي، وموقف واشنطن النهائي، وقدرة الأطراف على منع انتقال المواجهة إلى نطاق أوسع، من دون أن تتحول الهجمات المتبادلة إلى مسار يصعب احتواؤه.