أخبار وتقارير

الخميس - 24 سبتمبر 2026 - الساعة 12:33 م بتوقيت اليمن ،،،

بغداد


بالتزامن مع محاولة حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي إعادة السلاح إلى سلطة الدولة، تتحدث مصادر عراقية وتحليلات أمنية عن شبكة حوثية تمتد من بغداد إلى جرف الصخر، وتتداخل مع بنية عسكرية قائمة أصلاً، بما يجعل السؤال أكثر تعقيداً: هل تملك بغداد القدرة على إنهاء احتكار الفصائل للسلاح، إذا كانت أراضيها تستخدم في الوقت نفسه كعمق لجهة مسلحة أجنبية؟

وتزداد حساسية الملف مع اقتراب العراق من مرحلة جديدة في خطة حصر السلاح. فقد تعهد الزيدي بإخضاع السلاح لسلطة الدولة، فيما طرحت حكومته ترتيبات تقوم على تسليم الفصائل أسلحتها تدريجياً، وسط خلافات حول الموعد وآلية التنفيذ. وفي حين تحدثت الحكومة سابقاً عن 30 سبتمبر موعداً لبدء مرحلة جديدة، نفى مستشار الأمن القومي قاسم الأعرجي وجود موعد نهائي ثابت لتسليم السلاح، قائلاً إن الموعد يرتبط أساساً بانتهاء انسحاب التحالف الدولي. وفي المقابل، تحدث الزيدي في خطة عرضها في واشنطن عن مرحلة انتقالية تنتهي باستكمال العملية في يونيو 2027. (reuters.com)

في هذه البيئة، يبرز الحوثيون كجزء أقل ظهوراً من المشكلة. فقد نشرت منصة EISMENA في 22 سبتمبر تحقيقاً تحليلياً للباحث فراس إلياس، قال إن الوجود الحوثي في العراق تطور من شبكة دعم واتصالات إلى بنية متعددة الوظائف تشمل تمثيلاً واتصالات سياسية وأمنية ومساكن وشبكات تدريب وتنسيق مع فصائل عراقية. وتقول الدراسة إن بغداد تشكل مركزاً للاتصالات، بينما تمثل النجف وكربلاء امتداداً اجتماعياً، في حين تحتل جرف الصخر موقعاً أكثر حساسية من الناحية العسكرية. وهذه المعطيات تبقى في إطار تحقيق قائم على مصادر ميدانية، وليست إعلاناً حكومياً عراقياً عن وجود تنظيم عسكري حوثي مستقل في البلاد.

وتكتسب جرف الصخر أهمية خاصة لأنها ليست منطقة عادية في خريطة الأمن العراقي. فالمنطقة جنوب بغداد ظلت معقلاً لكتائب حزب الله، إحدى أبرز الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وبقيت لفترة طويلة بعيدة عن وصول مؤسسات الدولة المدنية والأمنية بصورة كاملة. وقد بدأت الحكومة العراقية أخيراً تحركاً ميدانياً داخلها، إذ زارت لجنة حكومية تضم ممثلين عن الداخلية والزراعة والعدل وهيئة الحشد والاستخبارات ومؤسسات أخرى عدداً من القرى في المنطقة، في أول دخول حكومي معلن بهذا المستوى منذ سنوات.

وفي هذا الموقع تحديداً، تظهر روايات عن نشاط حوثي أكثر حساسية. فقد ذكرت دراسة EISMENA أن معلومات ميدانية تشير إلى وجود عناصر حوثية في جرف الصخر، وأن مركز «بهبهان» التدريبي في المنطقة استُخدم لتدريب مقاتلين حوثيين، بينهم قادة في تشكيلات مرتبطة بالجماعة. وتقول الدراسة إن التوزيع الجغرافي للوجود الحوثي يخدم وظائف مختلفة: بغداد للاتصالات والإدارة، والنجف وكربلاء للامتداد الاجتماعي، وجرف الصخر للتدريب والوظائف العملياتية.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي يرد فيها اسم جرف الصخر في تقارير عن العلاقة بين الحوثيين والفصائل العراقية. ففي تقرير صدر عن لجنة خبراء الأمم المتحدة بشأن اليمن عام 2024، قالت اللجنة إن مصادرها أفادت بأن هيئة الحشد الشعبي في العراق وفرت تدريباً لنحو 80 مقاتلاً حوثياً في مركز بهبهان بمنطقة جرف الصخر، وإن الغرض من إحدى الدورات كان تعزيز قدرة الحوثيين على استهداف السفن في البحر الأحمر بدقة. كما أشار التقرير إلى تعاون عسكري بين الحوثيين وجماعات مسلحة عراقية في هجمات استهدفت إسرائيل.

وإذا كان هذا الوجود قد بدأ بصورة تدريبية وشبكية، فإن التطورات الأخيرة تشير إلى احتمال انتقاله إلى مستوى أكثر ارتباطاً بالعمليات. ففي يوليو الماضي، أفادت «رويترز» بأن مصادر وتقييمات إقليمية قالت إن الحوثيين شاركوا في هجمات على السعودية انطلقت من الأراضي العراقية، بالتنسيق مع فصائل عراقية موالية لإيران. وفي ذلك الوقت أعلنت بغداد فتح تحقيق، فيما أعلنت السعودية أن طائرات مسيرة انطلقت من الأراضي العراقية واستهدفت منشآت نفطية، بينما أكد الحوثيون مسؤوليتهم عن بعض الهجمات ورفضت فصائل عراقية اتهامات الرياض.

وتكشف هذه التطورات عن الفرق بين وجود حوثي داخل العراق وبين تحول العراق إلى «جبهة حوثية» مستقلة. فلا توجد أدلة علنية تثبت أن جماعة الحوثي أقامت قوة عسكرية كبيرة ومستقلة داخل العراق، كما أن بغداد لم تعلن رسمياً وجود قاعدة حوثية عسكرية. لكن تداخل عناصر حوثية، وفق التقارير، مع بنى تابعة لفصائل عراقية موالية لإيران يوفر للجماعة شيئاً أكثر أهمية من قاعدة مستقلة: عمقاً لوجستياً وأمنياً يمكن استخدامه من دون تحمل كلفة بناء بنية منفصلة بالكامل. وتقول دراسة EISMENA إن هذا النموذج يتيح للحوثيين الاستفادة من الحماية والتدريب والاتصالات والموارد الموجودة أصلاً لدى الفصائل العراقية.

وهنا يصبح الملف جزءاً مباشراً من معركة حصر السلاح. فالمشكلة التي تواجهها بغداد ليست فقط أن هناك سلاحاً خارج سيطرة الدولة، وإنما أن هذه البنية المسلحة قد توفر مساحة لحركة جهات غير عراقية أيضاً. وهذا يوسع معنى «حصر السلاح» من قضية داخلية تتعلق بكتائب عراقية إلى قضية سيادة: من يقرر استخدام الأراضي العراقية؟ ومن يملك حق تشغيل منشآت ومخازن ومراكز تدريب؟ وهل تكفي إعادة توزيع السلاح داخل هيئة الحشد أو دمج مقاتلين في مؤسسات رسمية إذا بقيت شبكات خارجية قادرة على الاستفادة من هذه البنية؟

وتظهر صعوبة الإجابة في جرف الصخر نفسها. فالمصادر البحثية تقول إن كتائب حزب الله وحلفاءها ظلوا يمارسون نفوذاً قوياً في المنطقة، فيما واجهت الدولة العراقية صعوبات في استعادة حضورها الإداري والأمني. وبحسب تقييم Critical Threats، بحثت بغداد خلال أغسطس إمكانية تطويق المنطقة أو الدخول إليها إذا لم تتجاوب الفصائل مع خطة حصر السلاح، بينما قامت لجنة حكومية لاحقاً بزيارة ميدانية محدودة.

ويأتي ذلك في لحظة تتزايد فيها الضغوط الإقليمية على بغداد. فالهجمات التي استهدفت السعودية من الأراضي العراقية خلال الأشهر الأخيرة دفعت الملف إلى مستوى عربي ودولي أكثر حساسية. وفي 10 سبتمبر، أدى هجوم بطائرات مسيرة على خط أنابيب شرق-غرب السعودي إلى توقف الصادرات عبر المسار، وفق «رويترز»، التي قالت إن الهجوم نُسب إلى فصائل عراقية موالية لإيران. وفي 22 سبتمبر أعلنت السعودية إعادة تشغيل الخط، لكن استعادة طاقته الكاملة قد تستغرق أسابيع.

بالنسبة إلى العراق، لا يتعلق الأمر فقط بعلاقته مع السعودية. فمنع استخدام الأراضي العراقية لضرب دول الجوار أصبح مرتبطاً أيضاً بعلاقته مع الولايات المتحدة، خصوصاً مع اقتراب اكتمال انسحاب قوات التحالف الدولي. وقد ذكرت «رويترز» أن حكومة الزيدي تواجه ضغوطاً متزايدة لإجبار الفصائل الموالية لإيران على تسليم سلاحها، بينما ترفض جماعات بارزة ذلك وتربطه بخروج القوات الأجنبية من العراق.

ومن هنا يمكن فهم لماذا يشكل الحوثيون «الوجه الخفي» لمعركة حصر السلاح. فإذا نجحت بغداد في إعادة تنظيم الفصائل العراقية، لكنها عجزت عن منع جهات أجنبية من استخدام البنية نفسها، فإن مشكلة السلاح ستنتقل من شكل إلى آخر بدلاً من أن تنتهي. وقد تصبح الدولة صاحبة سلطة قانونية على السلاح، لكنها غير قادرة عملياً على التحكم الكامل في كيفية استخدام بعض المنشآت أو المواقع أو الشبكات التي تعمل داخلها جماعات مرتبطة بمحاور إقليمية.

لكن ثمة جانباً آخر ينبغي ألا يغيب عن المشهد. فالعراق لا يزال في مواجهة تهديدات أمنية معقدة، وتستند بعض الفصائل في دفاعها عن احتفاظها بالسلاح إلى تجربة الحرب ضد تنظيم داعش وإلى ضعف قدرات بعض المؤسسات الرسمية. كما أن دمج أفراد الفصائل في المؤسسات الأمنية، الذي يناقش كجزء من خطة الحكومة، يمكن أن يمثل طريقاً لتقليص الازدواجية الأمنية إذا رافقه توحيد فعلي لسلسلة القيادة. لذلك فإن جوهر الاختبار لا يكمن في تسليم بندقية أو صاروخ فقط، بل في إنهاء مراكز القرار الأمني المتعددة.

وتزداد صعوبة المهمة لأن الحوثيين باتوا يتحركون في بيئة إقليمية مختلفة عن السابق. فهجومهم المتجدد على السعودية وامتداد نفوذهم إلى مناطق قريبة من باب المندب جعلا الجماعة جزءاً أساسياً من معادلة الأمن البحري والطاقة في المنطقة. وقد أكدت السعودية وتركيا ومصر وباكستان في اجتماع بنيويورك هذا الأسبوع دعمها حق الرياض في الدفاع عن نفسها، وشددت على ضرورة ضمان حرية الملاحة في المنطقة والدفع نحو الحلول الدبلوماسية.

وهذا يجعل العراق أمام خيار أكثر تعقيداً: هل يستطيع أن يكون جزءاً من ترتيبات التهدئة الإقليمية في وقت تستخدم فيه أراضيه، وفق تقارير، كجزء من شبكة عسكرية تمتد من اليمن إلى العراق؟ أم أن استمرار مناطق النفوذ المسلح سيبقي بغداد أمام ضغوط متكررة من جيرانها وواشنطن؟

في النهاية، لا تثبت المعطيات الحالية أن الحوثيين أقاموا جيشاً داخل العراق. لكن وجود تقارير أممية وبحثية حديثة عن التدريب والتنسيق، إلى جانب تقارير 2026 عن مقار واتصالات ونشاطات عملياتية وهجمات انطلقت من الأراضي العراقية، يجعل الملف جزءاً لا يمكن تجاهله من معركة حصر السلاح.

ولهذا فإن نجاح خطة الزيدي لن يقاس فقط بعدد القطع التي تدخل مخازن الدولة، وإنما بقدرة بغداد على فرض قاعدة أوسع: لا سلاح خارج الدولة، ولا قرار أمني خارج مؤسساتها، ولا استخدام للأراضي العراقية كمنصة لحرب طرف آخر. وعند هذه النقطة تحديداً يصبح ملف الحوثيين اختباراً أعمق لسيادة العراق من مجرد كونه تفصيلاً في معركة الفصائل.