أخبار اليمن

الخميس - 24 سبتمبر 2026 - الساعة 12:27 م بتوقيت اليمن ،،،


لم تعد خريطة الإمداد التي يعتمد عليها الحوثيون في اليمن محصورة في القنوات المرتبطة بإيران. فمع تشديد الولايات المتحدة ودول أوروبية الرقابة على تصدير التقنيات والمكونات التي يمكن استخدامها عسكريًا، تظهر السوق الصينية بصورة متزايدة في مسار حصول الجماعة على مكونات تدخل في تصنيع وتطوير الطائرات المسيرة وأنظمة الاتصالات والمراقبة.

وبحسب تقرير لـ«وول ستريت جورنال»، أصبحت الشركات الصينية المصدر الأكبر للبضائع التي صودرت وهي في طريقها إلى الحوثيين، استنادًا إلى تقارير للأمم المتحدة وبيانات جمعها خبراء في شؤون الأسلحة. ويشير التقرير إلى أن نحو 35 بالمئة من المعدات العسكرية المتجهة إلى الحوثيين التي صودرت بين عامي 2021 و2025 كانت صينية المنشأ، مقابل نحو 5 بالمئة فقط خلال الفترة بين 2015 و2018.

وتكتسب هذه الأرقام أهميتها من طبيعة ما يتم توريده. فالمسألة لا تتعلق بالضرورة بصواريخ أو أسلحة مكتملة الصنع، وإنما بسلع ومكونات ذات استخدام مزدوج يمكن استخدامها في التطبيقات المدنية والعسكرية، من محركات الطائرات المسيرة وأجهزة الاتصال إلى أنظمة تحديد المواقع والمستشعرات ومكونات الأجنحة.

وتوفر هذه المنطقة الرمادية مساحة واسعة أمام شبكات التوريد. فالمكونات التي يمكن استخدامها في صناعة مدنية قد تدخل لاحقًا في منظومات عسكرية، ما يجعل تحديد المسؤولية أكثر تعقيدًا، خصوصًا عندما تمر الشحنات عبر تجار ووسطاء وشركات نقل.

وتقدم تقارير الأمم المتحدة أدلة على وجود هذا المسار. ففي إحدى عمليات المصادرة التي وثقها فريق الخبراء المعني باليمن، عُثر على حاوية منشؤها الصين كانت مصرحًا بأنها تحتوي على مستلزمات مدرسية، لكن السلطات عثرت داخلها على أجهزة للتعرف الآلي على السفن ومحللات طيفية ومحولات كهربائية. وقال تقرير الأمم المتحدة إن هذه المعدات ذات الاستخدام المزدوج يمكن أن تسهم في قدرات الحوثيين على تنفيذ عمليات ضد السفن.

وفي يناير 2025، صادرت السلطات اليمنية كذلك محركات لطائرات مسيرة وأجهزة تحكم وأجهزة اتصال لاسلكي كانت ضمن شحنة معلن عنها على أنها أقمشة ومُرسلة من الصين. وفي يوليو من العام نفسه، عُثر في شحنات قادمة من شنغهاي على كاميرا حرارية وموصلات مستشعرات وألياف كربونية يمكن استخدامها في تصنيع أجنحة الطائرات المسيرة.

وتكشف عملية أخرى، نفذتها آلية الأمم المتحدة للتحقق والتفتيش في جيبوتي في مايو 2025، عن شحنة متجهة إلى الحديدة تضمنت طائرات مسيرة ومكوناتها وأجهزة تحكم ووحدات تحديد مواقع ومراوح وهوائيات ومعدات مراقبة، وكانت الحاويات منشؤها الصين.

ولا يعني ذلك أن الصين أصبحت بديلًا كاملًا لإيران. فطهران ما زالت تمثل، وفق تقارير دولية، مصدرًا مهمًا للدعم العسكري والتدريب والتكنولوجيا للحوثيين. لكن التحول المهم يتمثل في قدرة الجماعة على الوصول إلى شبكة توريد أكثر اتساعًا، بما قد يمنحها مجالًا أكبر لتطوير قدراتها محليًا وتجميع أنظمة تعتمد على مكونات متاحة في الأسواق التجارية.

وهنا تكمن أهمية مفهوم «السلع مزدوجة الاستخدام». فبدل الحصول على منظومة عسكرية مكتملة، يمكن للجماعة شراء مكونات متفرقة من شركات مختلفة، ثم دمجها في أنظمة مسيرة أو اتصالات أو مراقبة. ويجعل هذا الأسلوب عملية التعقب والرقابة أكثر صعوبة، ويقلل من وضوح الخط الفاصل بين التجارة المدنية والإمداد العسكري.

لكن السؤال الأكثر حساسية يتعلق بمسؤولية الدولة الصينية. فوجود شركات صينية أو منتجات مصنعة في الصين ضمن سلاسل توريد تصل إلى الحوثيين لا يثبت بحد ذاته أن الحكومة الصينية تتبنى سياسة لتسليح الجماعة. وتبقى هذه نقطة جوهرية في قراءة الملف، خصوصًا أن الصين تقول إنها تدعم خفض التصعيد وحماية الملاحة في المنطقة.

المفارقة أن مصالح بكين نفسها أصبحت أكثر تعرضًا لتداعيات نشاط الحوثيين. فقد قالت رويترز إن الصين ضغطت أخيرًا على إيران لاستخدام نفوذها لدى الحوثيين من أجل كبح هجماتهم، بعد أن طلبت السعودية من بكين التدخل. وترتبط هذه الخطوة بقلق صيني من اضطراب طرق التجارة والطاقة عبر البحر الأحمر وباب المندب.

وهكذا تجد بكين نفسها أمام معادلة معقدة: من جهة، تمتلك الشركات الصينية سوقًا صناعية ضخمة توفر مكونات يمكن أن تصل إلى شبكات مرتبطة بالحوثيين؛ ومن جهة أخرى، أصبحت هجمات الجماعة على الملاحة تهدد المصالح التي تريد الصين حمايتها، خصوصًا التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد.

وتزداد المفارقة وضوحًا مع انتقال الحوثيين إلى استهداف مساحات أوسع من الملاحة والطاقة. فالجماعة التي راكمت خلال السنوات الماضية قدرات متقدمة نسبيًا في الطائرات المسيرة والصواريخ، أصبحت عاملًا مؤثرًا في أمن البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تتزامن فيه الأزمة اليمنية مع اضطرابات أوسع في الخليج ومضيق هرمز.

ومن هذه الزاوية، لا يتعلق الأمر فقط بمصدر السلاح الحوثي، بل بقدرة الجماعة على الوصول إلى التكنولوجيا التجارية العالمية وتحويلها إلى قدرات عسكرية. وإذا كانت إيران قد ساعدت الحوثيين على بناء المعرفة والخبرة، فإن اتساع الوصول إلى المكونات الصينية قد يمنحهم هامشًا إضافيًا لتطوير تلك المعرفة بعيدًا عن الاعتماد على شحنة سلاح تقليدية.

وهذا ما يجعل السؤال عن الصين أكثر تعقيدًا من اتهامها بتسليح الحوثيين. فالمشكلة قد تكون في نموذج تجاري واسع يصعب ضبطه، تتداخل فيه الشركات والوسطاء والتجار اليمنيون المقيمون في الصين وشبكات النقل، بينما تتحرك التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج بين الاستخدام المدني والعسكري.

في النهاية، قد لا تكون الصين قد أصبحت «راعيًا» للحوثيين، لكن المعطيات المتاحة تشير إلى أن السوق الصينية باتت جزءًا مهمًا من البيئة التي تتيح للجماعة الوصول إلى مكونات عسكرية وتقنية. وفي الوقت نفسه، تحاول بكين الضغط سياسيًا على إيران للحد من نشاط الحوثيين حماية لمصالحها التجارية.

وهنا تكمن المفارقة التي قد تزداد كلفة مع استمرار التصعيد: كلما أصبحت الصين أكثر أهمية في سلسلة التوريد التي تصل إلى الحوثيين، أصبحت مصالحها التجارية نفسها أكثر تعرضًا للخطر من القدرات التي قد تساعد هذه السلسلة على تطويرها.