منوعات

الخميس - 24 سبتمبر 2026 - الساعة 12:29 م بتوقيت اليمن ،،،


تشدد إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب الخناق على ما تسميه «سياحة الولادة»، منتقلة من التحذير من استخدام تأشيرات الزيارة لهذا الغرض إلى استهداف الشبكات التجارية التي تنظم الرحلات والولادات وتحقق أرباحًا من رغبة أجانب في حصول أطفالهم على الجنسية الأميركية.

وأعلن وزير الخارجية ماركو روبيو، الأربعاء، سياسة جديدة لتقييد إصدار التأشيرات بموجب المادة 212(a)(3)(C) من قانون الهجرة والجنسية، تستهدف أشخاصًا قالت الوزارة إنهم يشاركون عن علم في «سياحة الولادة» أو يسهلونها، وبينهم ملاك ومديرو شبكات تجارية، ووسطاء تأشيرات يوجهون المتقدمين إلى تقديم معلومات كاذبة، ومقدمو خدمات طبية أجانب يساعدون في ترتيب هذه الرحلات.

وتضع السياسة الجديدة النشاط في تقاطع ثلاثة ملفات تحرص إدارة ترامب على إبرازها في سياستها للهجرة: نزاهة نظام التأشيرات، حماية المزايا العامة، والحفاظ على مفهوم الجنسية الأميركية. وقال روبيو إن هذه الشبكات تجمع عشرات الآلاف من الدولارات مقابل ترتيب الولادات في الولايات المتحدة، متهمًا بعضها بتدريب المتقدمين على الكذب في طلبات التأشيرات.

ولا تعني الخطوة، وفق المعطيات المعلنة، أن كل امرأة حامل تسعى إلى السفر إلى الولايات المتحدة ستواجه حظرًا تلقائيًا. فالموقف الرسمي الأميركي كان واضحًا منذ سنوات في أن «سياحة الولادة»، عندما يكون الهدف الأساسي من السفر هو إنجاب طفل في الولايات المتحدة للحصول على الجنسية له، ليست غرضًا مسموحًا به بموجب تأشيرة الزيارة. وفي المقابل، تظل الزيارة لأغراض طبية مشروعة ضمن الاستخدامات المسموح بها لتأشيرة الزيارة، وفق القواعد المنشورة لوزارة الخارجية.

الجديد في سياسة روبيو هو توسيع دائرة الاستهداف لتشمل المنظومة التي تقف خلف النشاط، وليس فقط الشخص الذي يسافر. فالوزارة تضع في دائرة القيود أصحاب ومشغلي شبكات «سياحة الولادة»، و«مصلحي» التأشيرات الذين يساعدون على الاحتيال، ومقدمي الخدمات الطبية الذين يعلمون بطبيعة الرحلات ويسهلونها، إضافة إلى آخرين يقدمون الدعم أو التسهيلات لهذه الأنشطة.

وتقول الخارجية الأميركية إن بعض هذه الشبكات لا تبيع مجرد خدمة سفر، وإنما تحول الرغبة في الحصول على الجنسية إلى نشاط تجاري منظم. ويأتي ذلك في وقت وسعت فيه الوزارة أيضًا إجراءات التدقيق والفحص لطالبي التأشيرات، بما في ذلك مراجعة الحضور الإلكتروني لفئات إضافية من المتقدمين اعتبارًا من أكتوبر.

ويضع هذا التحول «سياحة الولادة» ضمن مسار أوسع في سياسة إدارة ترامب لإعادة تشديد الرقابة على استخدام التأشيرات والهجرة. ففي أغسطس، أصدرت الإدارة أمرًا تنفيذيًا يستهدف «سياحة الولادة»، ويعرّفها بأنها دخول أجنبي إلى الولايات المتحدة بتأشيرة غير مهاجر بغرض الولادة على الأراضي الأميركية، كما دعا إلى إجراءات لمنع أو معاقبة من يسهلون هذا النشاط.

لكن الملف يتجاوز مسألة التأشيرات إلى خلاف قانوني وسياسي أوسع حول الجنسية بالولادة. فقد حاولت إدارة ترامب في أغسطس تضييق نطاق الحالات التي يحصل فيها الطفل المولود في الولايات المتحدة على الجنسية تلقائيًا، إلا أن قاضيًا اتحاديًا أصدر في سبتمبر أمرًا أوليًا بوقف تنفيذ المحاولة الجديدة، مستندًا إلى سوابق قضائية تتعلق بالتعديل الرابع عشر للدستور.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين مسارين متداخلين. الأول يتعلق بمكافحة الاحتيال في طلبات التأشيرات واستغلال نظام الهجرة، وهو المسار الذي تتحرك فيه وزارة الخارجية الآن. أما الثاني فيتعلق بالسؤال الدستوري حول حدود حق الجنسية بالولادة، وهو ملف منفصل يخضع لنزاعات قضائية لم تحسم نهائيًا.

وتمنح الإدارة أهمية خاصة كذلك للبعد المالي. فبيان روبيو يربط بين «سياحة الولادة» وبين ما تصفه واشنطن بالاستخدام الاحتيالي لنظام «ميديكيد» والمزايا العامة. وتقول الخارجية إن حماية هذه البرامج ودافعي الضرائب من الاستغلال تمثل أحد مبررات تشديد القيود. ويأتي ذلك متسقًا مع توجه أوسع لدى الوزارة نحو التدقيق في احتمال اعتماد بعض المهاجرين على المزايا العامة.

وبموجب السياسة الجديدة، قد تمتد بعض القيود إلى أفراد من أسرة الشخص المستهدف، بحسب الخارجية الأميركية. وهو ما يوسع الأثر المحتمل للقرار من الأفراد الذين يديرون النشاط التجاري مباشرة إلى دوائر مرتبطة بهم، وإن كانت تفاصيل التطبيق العملي ستظل مرتبطة بقرارات التأشيرات الفردية.

ولا تكشف الخطوة وحدها حجم التأثير الذي ستحدثه على نشاط «سياحة الولادة» أو قدرتها على تفكيك الشبكات التي تعمل عبر الحدود. لكنها تشير بوضوح إلى انتقال واشنطن من التعامل مع الظاهرة بوصفها مشكلة في الغرض من التأشيرة إلى التعامل معها باعتبارها نشاطًا تجاريًا عابرًا للحدود يمكن أن يخضع للملاحقة من خلال أدوات التأشيرات.

وبذلك تصبح المعركة الجديدة أقل ارتباطًا بالمرأة التي تسافر للولادة وأكثر ارتباطًا بمنظومة الوسطاء التي تحول الولادة إلى خدمة تجارية مرتبطة بالجنسية. فواشنطن لا تكتفي بالقول إن تأشيرة الزيارة لا تصلح لهذا الغرض، بل تريد استخدام أدواتها القنصلية للهجوم على من ترى أنهم يصنعون سوقًا موازية حول الجنسية والهجرة.

ويبقى السؤال الأوسع هو ما إذا كانت هذه الإجراءات ستنجح في تقليص النشاط من دون أن تتحول إلى جبهة جديدة في النزاع الدستوري والقانوني حول الجنسية بالولادة. وبينما تتحرك الإدارة لتشديد القيود على التأشيرات، تظل القواعد المتعلقة بالجنسية نفسها موضع اختبار أمام القضاء الأميركي.