عرب وعالم

الأحد - 13 سبتمبر 2026 - الساعة 12:07 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


دعا مفتي سلطنة عمان الشيخ أحمد بن حمد الخليلي إلى حقن الدماء في اليمن وإصلاح ذات البين، في وقت يتسع فيه القتال على الساحل الغربي ويعود الحوثيون إلى استهداف السعودية ومنشآتها الحيوية. لكن دعوته تفتح سؤالاً يتجاوز مضمونها المباشر: هل تكفي الدعوة إلى السلام إذا كان توصيف أطراف الصراع نفسه غير متوازن، وإذا كان القتال ضد إسرائيل يُقدَّم باعتباره عملاً مشروعاً بينما لا تحظى الهجمات التي تطال دولاً عربية بالوضوح نفسه في الإدانة؟

في بيانه الأخير، أعرب الخليلي عن أسفه لما تشهده المنطقة من اقتتال، متوقفاً عند اليمن تحديداً ومتسائلاً كيف عجزت «الحكمة اليمانية» عن حقن الدماء ووحدة الصف. ودعا اليمنيين إلى إصلاح ذات بينهم، محذراً من تدخل من يفسد المودة ويورث العداوة.

لكن البيان لا يضع جميع أطراف المشهد في المسافة نفسها. فعندما انتقل المفتي إلى الحديث عن جماعة يقول إنها «تصدت للكيان الصهيوني» وجاهدت لتحرير المقدسات، بدا أن الإشارة تنطوي على تقدير واضح للحوثيين، حتى من دون تسميتهم مباشرة، بينما جرى اختزال الصراع اليمني الداخلي في صورة اقتتال بين إخوة.

وهنا تبرز المفارقة التي تجعل دعوة الخليلي محل نقاش سياسي وأخلاقي: إذا كان الهدف هو حقن الدماء، فهل يمكن الفصل بين الحرب التي يخوضها الحوثيون ضد إسرائيل وبين الهجمات التي تنفذها الجماعة ضد السعودية والمنشآت المدنية والاقتصادية في المنطقة؟

السؤال ليس حول الموقف من القضية الفلسطينية، ولا حول حق أي عالم مسلم في إدانة الاحتلال الإسرائيلي. إنما يتعلق بالحدود التي ينبغي أن تقف عندها هذه المواقف عندما تتحول الحرب على إسرائيل إلى مبرر لاستهداف دول عربية ومصالحها.

ففي الثامن من سبتمبر، شن الحوثيون موجة واسعة من الهجمات على مدن ومنشآت في جنوب السعودية، استهدفت مواقع اقتصادية ومنشآت للطاقة، وأدت، وفق السلطات السعودية، إلى إصابة 73 مدنياً بينهم نساء وأطفال. وقالت الرياض إن الهجمات طالت أعياناً مدنية واقتصادية إلى جانب استمرار تهديد السفن التجارية في البحر الأحمر.

ولم تتوقف المسألة عند منشآت داخل السعودية. فقد بات التهديد يمتد إلى طرق تصدير النفط والملاحة في البحر الأحمر وباب المندب، في وقت تمكن فيه الحوثيون، بدعم إيراني وفق مصادر إقليمية ويمنية، من تحقيق تقدم على الساحل الغربي والسيطرة على مدينة المخا ذات الأهمية الاستراتيجية. وترى رويترز أن هذا التقدم يضع الجماعة في موقع أكثر قدرة على تهديد باب المندب، في وقت يعاني فيه مضيق هرمز أصلاً من الاضطراب.

وتصبح هذه التطورات أكثر حساسية عند النظر إلى مواقف الخليلي السابقة. ففي سبتمبر 2024 أشاد المفتي علناً بما وصفه بتطوير اليمن قدراته العسكرية إلى درجة «زعزعة استقرار» إسرائيل، معتبراً ذلك مدعاة للفخر والاعتزاز. وكان المقصود بوضوح هجمات الحوثيين على إسرائيل.

المفارقة تزداد إلحاحاً في اللحظة الراهنة، لأن الحوثيين لا يخوضون مواجهة منفصلة عن الصراع الإقليمي. فهجماتهم على السعودية تتزامن مع تقدمهم على ساحل البحر الأحمر، وتهديدهم للملاحة، فيما تقول مصادر إقليمية إن الدعم الإيراني لعب دوراً في تمكينهم من توسيع عملياتهم. وبذلك لم تعد المسألة محصورة في الحرب اليمنية الداخلية، وإنما باتت جزءاً من صراع أوسع على الممرات البحرية والطاقة والنفوذ الإقليمي.

ومن هنا يمكن فهم حساسية دعوة المفتي إلى «وحدة الصف اليمني». فالدعوة إلى المصالحة تكتسب قيمتها عندما تشمل المدنيين جميعاً، وتحمي سيادة الدول المجاورة، وتفصل بين القضية الفلسطينية وبين الحسابات الإقليمية التي تستخدمها أطراف الصراع لتبرير عملياتها.

فالرياض ليست طرفاً في الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، واستهداف منشآتها النفطية ومدنها لا يمكن تفسيره بمجرد شعار مواجهة إسرائيل.

ويطرح موقف مفتي عُمان سؤالًا آخر يتعلق بمدى انسجامه مع المقاربة التي تتبناها السلطنة في إدارة أزمات المنطقة. فمسقط حرصت خلال السنوات الماضية على تقديم نفسها طرفًا قادرًا على التواصل مع مختلف أطراف الصراع، وتجنب الاصطفاف المباشر، وهو ما منح وساطاتها في ملفات اليمن وإيران وغيرها قدرًا من المصداقية والقدرة على التحرك بين الخصوم.

ومن هذه الزاوية، فإن توبيخ من ينتقدون الحوثيين بسبب موقفهم من الحرب في غزة، أو التعامل مع الجماعة بوصفها طرفًا “مقاوما” يقف في مواجهة إسرائيل، يضع خطاب المفتي في مساحة أكثر قربًا من أحد أطراف الصراع مما تقتضيه عادةً اللغة العُمانية الرسمية.

وتزداد المفارقة وضوحًا عندما يتعلق الأمر بالسعودية، التي تدخل اليوم في مواجهة مباشرة مع هجمات حوثية طالت مدنًا ومنشآت اقتصادية سعودية. فبينما تحتاج الوساطة العُمانية إلى مسافة متوازنة من أطراف النزاع حتى تحتفظ بقدرتها على جمعهم إلى طاولة واحدة، فإن منح الحوثيين شرعية أخلاقية بسبب موقفهم من إسرائيل قد يجعل هذه المسافة تبدو أقل وضوحًا.

ولا يعني ذلك أن مسقط تتبنى بالضرورة مواقف مفتيها، لكن التباين يطرح سؤالًا مهمًا: هل يستطيع الخطاب الديني أن ينحاز إلى طرف، فيما تواصل الدبلوماسية العُمانية بناء قوتها على الحياد وفتح قنوات الاتصال مع الجميع؟