السبت - 12 سبتمبر 2026 - الساعة 12:20 ص
ليس أخطر من أن يُطلب منك أن تخوض حرباً في كل مكان، وأن تدفع ثمنها مرتين. فبينما تساق قواتك إلى حرب مفتوحة من دون الحد الأدنى من التخطيط والتنسيق، يجري التضييق على قضيتك وتقليص حضورها سياسياً وشعبياً وإعلامياً، وتعليقها على حوار يصاغ تقنياً وسياسياً بإرادة خارجية، عداك عن حالة البؤس الاجتماعي الممتدة على طول زمن العاصفة وعرضه.
هذا ما يراد للجنوب ولقواته ولقضيته عبر مسارات متوازية، تستنزف القوة في الميدان وتتراجع القضية في السياسة. ويُضاف إلى ذلك مسار آخر، يتمثل في محاولة إعادة تشكيل الهوية العسكرية الجنوبية نفسها، عبر تفكيك التشكيلات المرتبطة بقضية سياسية ووطنية، وإعداد تشكيلات عقائدية تدين بالولاء لمفهوم "ولي الأمر".
ومع إدراك أن قرار الحرب لم يعد قراراً داخلياً خالصاً، وأن القوات الجنوبية نفسها لا تملك قرارها بصورة كاملة، يظل السؤال، أين البناء العسكري والثقل البشري في مناطق الشمال؟ ولماذا تُدفع وحدات جنوبية إلى جبهات الاستنزاف بينما تبقى قوات تابعة لتيارات سياسية أخرى مكدسة في مناطق الشرق الجنوبي؟
ألم يصرح قيادي في تنظيم الاخوان بقوله "اذا كنا خسرنا قليلا في الغرب (الساحل الغربي) فقد كسبنا كثيرا في الشرق (حضرموت والمهرة)؟ فالحرب لا تعني لهم أكثر من تمكين الأخوان حصرياً.
وقبل ذلك، ألم يصرح نائب وزير الخارجية بوضوح بأن تمدد قوات جنوبية نحو الشرق الجنوبي قد يقود إلى تحالف تيارات من "الشرعية" مع الحوثيين؟ وإذا كان هذا الموقف يعكس حقيقة سياسية قائمة، فدلالته شديدة الخطورة، إذ يصبح الحوثي عدواً وفق محددات سياسية متغيرة، لأنه قد يتحول إلى حليف محتمل عندما تتقدم قوات جنوبية على أرض جنوبية.
وهذا يعني في جوهره أن تعريف الحوثي كعدو عند تلك الأطراف ليس محكوماً بثوابت واضحة بقدر ما تحكمه حسابات السياسة، وأن خصمهم الأكثر ثباتاً في قاموسهم، مهما تبدلت التحالفات، هو الطرف الذي يمثل تطلعات شعب الجنوب، ولديه قوة على الأرض.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً، إذا كانت التحالفات والخصومات قابلة لإعادة التموضع بهذه السرعة، فلماذا لا يظل للجنوبيين في المقابل صوت سياسي واضح، حين يطلب منهم الذهاب إلى الجبهات من دون شروط سياسية لحماية قضيتهم؟
كان الجنوبيون في طليعة من قاوم تمدد أنصار الله، ودفعوا الكلفة الأكبر، و أسندوا الجبهات المنكسرة مراراً، كما يفعلون الآن. ومع ذلك، تعمدت المملكة كسرهم وأصبح حتى استخدام الصفة الجنوبية لقواتهم اليوم موضع تضييق، وكأن المطلوب منهم أن يقاتلوا ويدفعوا الثمن بلا قيد أو شرط. والمفارقة المؤلمة أن تأتي لحظة الحصاد (حين تأتي)، فيجد من دفع الفاتورة الأثقل نفسه بلا رصيد سياسي.
اخيراً:
هذه الحرب هي آخر اختبار لشعار "تحرير
صنعاء". وحين تنتهي بإرادة خارجية، من دون تحقيق أي هدف، سيسقط الشعار بصورة نهائية، أما مروّجوه فسيبقون، فهؤلاء سيجدون مبررات جديدة، وصوراً باسمة أنيقة، من صالونات الدول المضيفة ولا هم لهم ان استمرت دورات الحروب عقوداً قادمة .
#أحمـــــــــــدع