منوعات

الأحد - 13 سبتمبر 2026 - الساعة 11:33 ص بتوقيت اليمن ،،،

عدن


في تاريخ الفن والموسيقى في عدن، تبرز أسماء تركت أثرًا لا تمحوه السنوات، ويأتي الموسيقار والتربوي يحيى محمد مكي في مقدمة تلك القامات التي أسهمت في تأسيس الحركة الموسيقية الحديثة، وصناعة جيل من الفنانين والموسيقيين الذين حملوا راية الإبداع العدني إلى آفاق أوسع.

ولم يكن مكي مجرد عازف وملحن، بل كان مربيًا وصانع مواهب ومؤسسًا لفرق موسيقية مدرسية، جمع بين الموهبة والمعرفة الأكاديمية والخبرة العملية، حتى استحق عن جدارة لقب «موسيقار الأجيال».

النشأة وبدايات الموهبة

وُلد يحيى محمد مكي في كريتر بعدن في 5 أكتوبر 1930م، ونشأ في أسرة متوسطة الحال، وبدأ تعليمه في مدرسة بازرعة الخيرية الإسلامية، التي تأسست عام 1912م على يد الشيخ محمد عمر بازرعة.

ومنذ سنواته الأولى ظهرت لديه ميول واضحة نحو الموسيقى، وأدرك مبكرًا أن الفن لا يقوم على الموهبة وحدها، بل يحتاج إلى التعلم والاطلاع ومعرفة أصول الموسيقى وإتقان العزف على الآلات.

وكانت أول آلة موسيقية بدأ بالعزف عليها هي آلة الترومبيت، وهي من الآلات الأساسية في الموسيقى العسكرية، الأمر الذي أسهم لاحقًا في ارتباطه بالموسيقى العسكرية لفترة طويلة.

علي اليتيم.. أول من احتضن موهبته

شهد عام 1946م محطة مهمة في حياة مكي، حين زار ولي العهد آنذاك أحمد بن يحيى حميد الدين عدن، وكانت الحياة الأهلية والفنية تشهد نشاطًا ملحوظًا.

وفي تلك الفترة أُرسل مدرس الموسيقى علي اليتيم إلى مدرسة بازرعة، وهناك اكتشف موهبة يحيى مكي وشجعه واحتضنه، بعدما لفت عزفه المتقن على آلة الترومبيت انتباهه.

وكان لهذا التشجيع المبكر أثر كبير في توجيه موهبته وترسيخ علاقته بالموسيقى، ولا سيما الموسيقى النحاسية والعسكرية.

«الحنين إلى الماضي».. أول ألحانه

كانت أولى تجاربه في التأليف الموسيقي لحن «الحنين إلى الماضي» من كلمات الشاعر الراحل عوض عمر شماخ، الذي كان من حضرموت ومقيمًا في عدن.

وسجل مكي الأغنية لحنًا وأداءً بصوته، قبل أن يؤديها لاحقًا الفنان محمد سعد عبدالله، لتصبح واحدة من المحطات المبكرة في تجربته الفنية.

وقد عكست هذه المرحلة عمق التفاعل الثقافي والفني الذي شهدته عدن، حيث التقت فيها المواهب القادمة من مختلف البيئات، وتداخلت التجارب الشعرية والموسيقية في فضاء المدينة المفتوح.

أستاذ جيل من الفنانين

لم تتوقف أهمية يحيى مكي عند إنتاجه الموسيقي، بل امتدت إلى دوره الكبير في التربية والتعليم واكتشاف المواهب وصقلها.

وقد أسهم في تدريس الموسيقى في المدارس، وأسّس فرقة موسيقية مدرسية في مدرسة بازرعة، وفتح أبوابها أمام عدد من المواهب التي أصبحت لاحقًا أسماء بارزة في الفن والموسيقى العدنية.

ومن بين من احتضن مواهبهم وشارك في تكوينهم:

أحمد بن أحمد قاسم، محمد عبده سعد، محمد صالح همشري، محمد سعيد سنعر، أحمد ناجي قاسم، محمد عبده زيدي، نديم عوض وغيرهم.

ولهذا وصفه الباحث الموسيقي والقامة التربوية خالد صوري بأنه كان أستاذًا له، مؤكدًا أن جيلًا من الموسيقيين والفنانين تربوا على يديه.

في قلب الحركة الموسيقية العدنية

كان مكي حاضرًا في المشهد الفني والتربوي في عدن، وارتبط اسمه بالفرق الموسيقية المدرسية التي أسهمت في اكتشاف مواهب شابة وتقديمها إلى الساحة الفنية.

وكان من أبرز تلك المواهب أحمد بن أحمد قاسم، الذي أسس الفرقة الموسيقية التجديدية في 4 أبريل 1957م، فيما تولى الأستاذ إدريس حنبلة دور المستشار والمشرف العام عليها حتى 30 أكتوبر 1958م.

كما ارتبط مكي بعدد من الفنانين والموسيقيين الذين أصبحوا لاحقًا أعلامًا في الأغنية العدنية، ليغدو دوره أشبه بجسر انتقلت عبره الخبرة الموسيقية من جيل إلى آخر.

من «الهمشري» إلى نجوم الأغنية

ومن أبرز ما يكشف عن دوره في صناعة الفنانين، أنه كان وراء اكتشاف الفنان محمد صالح علي، الذي أطلق عليه اسمًا فنيًا هو «محمد صالح همشري».

وكانت باكورة أغانيه «خايف أحبك» من ألحان يحيى مكي، ثم غنى له الفنان محمد عبده، ومن الأعمال التي ارتبطت بتلك المرحلة أغنية «أحبك»، وكلتاهما من كلمات الشاعر الراحل لطفي جعفر أمان.

كما لحّن مكي للفنان أحمد ناجي قاسم، الذي كان من كوادر خطوط عدن الجوية وشركتي «باسكو» و«اليمدا»، وارتبط بزمالة فنية مع عدد من أبناء جيل فرقة بازرعة.

ومن أعماله أيضًا أغنية «ياريت ما كان اللي كان»، التي سجلها مكي بصوته لإذاعة عدن، ثم غناها من بعده الفنان محمد سعيد منصر.

دور بارز في تأسيس التعليم الموسيقي

واصل يحيى مكي حضوره في مجال التعليم الموسيقي، وكان من الرواد الذين أسهموا في وضع الأسس التعليمية للموسيقى في عدن.

وعندما التحق الفنان نجيب سعيد ثابت بمعهد الموسيقى عام 1974م، وجد مكي واحدًا من أبرز الأساتذة الذين أسهموا في بناء التجربة التعليمية للمعهد، الذي افتتح عام 1973م.

كما شارك مكي في وضع منهج المعهد في مادتي الصولفيج والنظريات الموسيقية، إلى جانب الأستاذ جميل غانم، مؤسس المعهد ومديره العام.

وقد تميز مكي بإجادة العزف على عدد من الآلات النحاسية، إلى جانب العود، حتى أصبح أحد أبرز المتخصصين في الموسيقى النحاسية، وظل اسمه مرتبطًا بها لسنوات طويلة.

شهادة جيل السبعينيات

شهد له الفنان نجيب سعيد ثابت بأنه كان موسيقارًا متمكنًا من أسرار الآلات النحاسية، وخبيرًا بتنوع مفاتيحها وطرق قراءة نوتاتها، وأن مكانته الفنية جعلت المنافسة معه أمرًا بالغ الصعوبة.

كما أسهم مكي في الأنشطة الفنية المدرسية، وعمل على تأسيس فرق موسيقية للأطفال، مؤكدًا بذلك أن مشروعه لم يكن مجرد مشروع فني شخصي، بل كان مشروعًا لتكوين جيل جديد من الموسيقيين.

تكريم تأخر كثيرًا

رغم هذا العطاء الكبير، فإن تكريم يحيى محمد مكي جاء بعد سنوات طويلة من العمل والتأثير.

وفي عام 1999م بادر الأستاذ طه أحمد غانم، محافظ عدن آنذاك، والأستاذ أحمد محمد قعطبي، عضو مجلس النواب ورئيس نادي الوحدة الرياضي، إلى تكريم هذه القامة الفنية والتربوية.

وسهم المجلس الثقافي لأندية عدن، برئاسة الأستاذ عبدالله باكداده وسكرتارية الأستاذ محمد حمود أحمد، في إعداد برنامج يليق بمكانة مكي، شمل استضافته في تلفزيون عدن، وتنظيم ندوة في منتدى جامعة عدن، وإصدار كتاب توثيقي عن مسيرته، وإقامة حفل فني وتكريمي في فندق عدن مساء 11 سبتمبر 1999م، بمشاركة عدد من الجهات الثقافية والفنية.

وكان ذلك التكريم اعترافًا متأخرًا بعطاء رجل أفنى سنوات عمره في التعليم والفن واكتشاف المواهب، وأسهم في صناعة ذاكرة موسيقية ما زالت حاضرة في وجدان عدن.

رحيل الجسد وبقاء الأثر

رحل يحيى محمد مكي يوم الخميس 28 ديسمبر 2000م، عن عمر ناهز 70 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالعطاء الفني والتربوي.

لكن رحيله لم يضع نهاية لحضوره؛ فقد بقي أثره حيًا في أعمال الفنانين الذين تعلموا على يديه، وفي الفرق الموسيقية التي أسهم في تأسيسها، وفي الألحان التي تركها، وفي الأجيال التي حملت ما تعلمته منه إلى الساحة الفنية.
لقد كان يحيى محمد مكي أكثر من موسيقار؛ كان مربيًا وصانع أجيال وحارسًا لذاكرة الموسيقى العدنية، ورائدًا من رواد النهضة الفنية التي جعلت من عدن واحدة من أهم مراكز الإبداع الموسيقي في المنطقة.
ولهذا لم يكن لقب «موسيقار الأجيال» مجرد وصف عابر، بل شهادة مستحقة لرجل جعل من الموسيقى علمًا وتربية ورسالة، وترك وراءه أجيالًا تشهد على عظمة ما قدّم.

#الصحفي_نجيب_يابلي
#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة