عرب وعالم

السبت - 08 أغسطس 2026 - الساعة 12:48 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


أثار غياب مصر عن التحالف الثلاثي الذي أعلنت السعودية وتركيا وباكستان تشكيله أخيرا تساؤلات حول أسباب عدم انضمامها، خاصة أن القاهرة شاركت طوال الأشهر الماضية في معظم الاجتماعات الوزارية التي مهدت لولادة هذا الإطار، ما عزز الاعتقاد بأنها ستكون أحد أركانه.

لكن القرار المصري يعكس، في جانب كبير منه، ثباتا في نهج السياسة الخارجية أكثر مما يعكس تباينا مع شركائها. فالقاهرة تبدو حريصة على الحفاظ على مستوى مرتفع من التنسيق السياسي مع السعودية، من دون أن يتحول ذلك إلى التزام عسكري قد يضعها في قلب مواجهة إقليمية لا تتوافق مع أولوياتها الحالية.

وتقوم المقاربة المصرية على مبدأ بسيط يتمثل في الفصل بين التضامن السياسي والشراكة العسكرية. فمنذ سنوات، أصبحت القاهرة أكثر تحفظا تجاه الانخراط في الأحلاف العسكرية الإقليمية، مفضلة إدارة علاقاتها عبر التشاور الثنائي والتنسيق الدبلوماسي، مع تجنب أي اصطفافات قد تفرض عليها التزامات تتجاوز حساباتها الاستراتيجية.

وتكتسب هذه السياسة أهمية أكبر في ظل المرحلة الاقتصادية الدقيقة التي تمر بها البلاد، إذ تركز الدولة المصرية على استعادة الاستقرار الاقتصادي، وجذب الاستثمارات، وتعزيز الشراكات التنموية مع دول الخليج، باعتبارها أولوية تتقدم على أي انخراط في ترتيبات أمنية قد تستنزف الموارد أو تزيد من المخاطر المحيطة بالاقتصاد.

ولذلك، لا يبدو غياب مصر عن التحالف الثلاثي تعبيرا عن اختلاف مع السعودية، بقدر ما يعكس اختلافا في أدوات إدارة التحديات الإقليمية. فالقاهرة مستعدة لتقديم الدعم السياسي والدبلوماسي للمملكة، كما فعلت مرارا خلال الأسابيع الأخيرة، لكنها لا تبدو مستعدة للانتقال إلى مستوى الالتزامات العسكرية المباشرة.

وتؤكد الاتصالات السياسية بين البلدين استمرار هذا التفاهم. فقد شدد وزيرا الخارجية المصري بدر عبدالعاطي والسعودي الأمير فيصل بن فرحان، خلال اتصال هاتفي الاثنين، على ضرورة الوقف الفوري للتصعيد العسكري، وإعطاء الأولوية للحلول السياسية والدبلوماسية، مع التأكيد على مواصلة التنسيق الوثيق بما يحفظ أمن المنطقة واستقرارها.

كما سارعت القاهرة، عقب الهجمات التي استهدفت السعودية أواخر يوليو، إلى إدانة التهديدات التي تعرضت لها المملكة، مؤكدة تضامنها الكامل معها ودعمها للإجراءات التي تتخذها لحماية أمنها وسيادتها، في موقف يعكس استمرار التقارب السياسي بين البلدين رغم اختلاف مقاربتهما لبعض الملفات الأمنية.

ويستند الحذر المصري أيضا إلى رغبة واضحة في تجنب الظهور ضمن أي محور يمكن أن يُفسر باعتباره موجها ضد إيران. فمنذ اندلاع الحرب في غزة وما تبعها من تصعيد في البحر الأحمر، حرصت القاهرة على عدم الانضمام إلى التحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة وبريطانيا لمواجهة هجمات الحوثيين، رغم أن تلك الهجمات ألحقت أضرارا اقتصادية مباشرة بمصر نتيجة تراجع حركة الملاحة في قناة السويس.

وكانت القاهرة تدرك أن مشاركتها في ذلك التحالف قد تُفسر على أنها دفاع غير مباشر عن إسرائيل في ظل الحرب على غزة، وهو ما كان سيضعها في موقف سياسي معقد داخليا وإقليميا. لذلك فضلت البقاء على مسافة واحدة من أطراف الصراع، مع الدعوة باستمرار إلى وقف التصعيد والبحث عن حلول سياسية.

غير أن هذه السياسة لم تمنع الخسائر الاقتصادية. فقد تراجعت إيرادات قناة السويس بصورة كبيرة نتيجة تحويل العديد من السفن مساراتها بعيدا عن البحر الأحمر، وأشارت تقديرات رسمية إلى انخفاض الإيرادات بنحو 60 في المئة خلال فترة التصعيد.

ورغم ذلك، لا تبدو القاهرة مستعدة لتغيير هذه المقاربة. فالتقدير المصري يقوم على أن أي توتر جديد في البحر الأحمر سيؤثر على حركة الملاحة سواء شاركت مصر في التحالفات العسكرية أم بقيت خارجها، وبالتالي فإن الانضمام إلى أي تحالف لن يضمن استعادة الإيرادات، لكنه قد يضيف أعباء سياسية وأمنية جديدة.

ومن هنا، تفضل القاهرة الإبقاء على هامش واسع من المرونة في علاقاتها الإقليمية، بحيث تحافظ على شراكاتها الوثيقة مع السعودية ودول الخليج، وفي الوقت نفسه تتجنب الدخول في مواجهة مباشرة مع إيران أو الظهور كجزء من محور مناهض لها.

كما أن القيادة المصرية تبدو مقتنعة بأن موقعها الإقليمي يمنحها دورا أكثر فاعلية عندما تتحرك كوسيط أو كطرف يدفع نحو التسويات، وليس كعضو في تحالفات عسكرية. وقد انعكس هذا التوجه في استضافة القاهرة، في 21 يونيو، اجتماعا لوزراء خارجية مصر والسعودية وتركيا وباكستان لبحث جهود احتواء الحرب بين واشنطن وطهران، بعدما سبق ذلك ثلاثة اجتماعات مماثلة في الرياض وإسلام آباد وأنطاليا.

وتشير هذه الاجتماعات إلى أن القاهرة ليست بعيدة عن المشاورات الأمنية والسياسية، لكنها تفضل أن يبقى دورها ضمن إطار التنسيق الدبلوماسي لا الالتزام العسكري. فالمشاركة في الحوار شيء، والانضمام إلى تحالف دفاعي قد يترتب عليه تدخل عسكري مباشر شيء آخر.

وتنسجم هذه المقاربة مع السياسة الخارجية المصرية خلال السنوات الأخيرة، التي اتسمت بتجنب الانخراط في النزاعات الإقليمية المفتوحة، والتركيز على حماية المصالح الاقتصادية والاستقرار الداخلي، في ظل تحديات مالية وضغوط معيشية تجعل أي مغامرة عسكرية خيارا مرتفع الكلفة.

وبذلك، يبدو أن القاهرة تراهن على معادلة دقيقة تقوم على الجمع بين الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع السعودية، وتجنب التحول إلى طرف في الاستقطابات الإقليمية. وهي معادلة قد لا تعفيها من التداعيات الاقتصادية للتوترات المحيطة، لكنها تمنحها مساحة أوسع للمناورة السياسية وتحافظ على انسجام أولوياتها الداخلية مع توجهاتها الخارجية.

وفي هذا السياق، يمكن فهم عدم انضمام مصر إلى التحالف الثلاثي باعتباره امتدادا لسياسة ثابتة تقوم على دعم الحلفاء سياسيا، مع تجنب الالتزامات العسكرية التي قد تجر البلاد إلى صراعات لا ترى أنها تخدم مصالحها المباشرة، في مرحلة تضع فيها التعافي الاقتصادي وتعزيز الاستقرار الداخلي في مقدمة أولوياتها.

وبالنتيجة، لا يعكس غياب مصر عن التحالف الثلاثي فتورا في علاقاتها مع السعودية أو تراجعا عن التزاماتها تجاه أمن الخليج، بقدر ما يجسد فلسفة مصرية تقوم على الفصل بين الشراكة السياسية والانخراط العسكري. فالقاهرة ترى أن تعزيز الاستقرار الداخلي واستعادة زخم الاقتصاد يمثلان اليوم خط الدفاع الأول عن أمنها القومي، وأن تجنب الاصطفافات الإقليمية يمنحها هامشا أوسع للتحرك الدبلوماسي وحماية مصالحها.

وبينما تراهن دول أخرى على بناء تحالفات ردع جديدة، يبدو أن مصر تراهن على سياسة “الشراكة بلا أحلاف”، معتبرة أن الحفاظ على حرية القرار الاستراتيجي لا يقل أهمية عن بناء التحالفات نفسها.