الأربعاء - 05 أغسطس 2026 - الساعة 11:28 ص
في أحد أكثر المشاهد إثارة في فيلم الأوديسة للمخرج البريطاني كريستوفر نولان، يظهر حصان طروادة العملاق نصف مطمور في رمال الشاطئ، بينما يختبئ في جوفه أوديسيوس ونخبة من المحاربين الإغريق، في معالجة سينمائية جديدة لأشهر خدعة عرفتها الأسطورة. ومع انتشال الحصان من الرمال وسحبه في موكب مهيب نحو أسوار طروادة، تمضي الأحداث إلى لحظة إدخاله المدينة، لتبدأ النهاية الدرامية لحصار استمر عشرة أعوام
يوظف نولان هذا المشهد ليمنح الحصان بعداً بصرياً مؤثراً، فيبدو كأنه خرج من قلب الأسطورة ليؤدي دوره الحاسم في تغيير مجرى الحرب. إلا أن سقوط طروادة لا يمثل نهاية قصة أوديسيوس، وإنما بداية رحلته الكبرى. فبعد الخراب الذي حل بالمدينة، يبدأ طريق العودة إلى مملكته، إيثاكا، لكنه يصطدم بنقمة بوسيدون، إله البحر والعواصف، لتتحول رحلة العودة إلى تيه يمتد عشرة أعوام، تتقاذفه العواصف، وتعترضه الكائنات الأسطورية والأخطار المتعاقبة. ومن تلك الرحلة وُلدت الأوديسة، إحدى أعظم الملاحم التي عرفها الأدب الإنساني، والتي ألهمت، منذ القرن الثامن أو السابع قبل الميلاد، أجيالاً من الشعراء والروائيين والمسرحيين.
الإلياذة والأوديسة هما ابنتا هوميروس الخالدتان. وإن اختلفت بنيتهما السردية، فقد جمعتهما روح شاعر واحد. ففي الإلياذة ينشد ملحمة الحرب التي سبقت سقوط طروادة، أما في الأوديسة فينشد ملحمة الإنسان بعد الحرب، حيث يتحول النصر، الذي تحقق بالحيلة، إلى بداية امتحان طويل، ويغدو غضب بوسيدون قدراً يجعل أوديسيوس يدفع ثمن انتصاره في رحلة ضياع امتدت أعواماً قبل أن يبلغ شواطئ إيثاكا.
الشاشة، بما تمتلكه من مؤثرات بصرية وسمعية هائلة، أصبحت قادرة على منح العقل واقعاً يبدو، في لحظات المشاهدة، أكثر حضوراً من الواقع نفسه، وخيالاً صاخباً تتداخل فيه أبعاد المكان والحركة، وعناصر الطبيعة، والبشر، والسحر، والكائنات الخرافية، وكل ما يكوّن عالم الأسطورة. فهي لا تكتفي بتجسيد الحكاية، وإنما تمزج بين التخييل والمشاهدة، وبين الانطباع والمعرفة. وبهذا المعنى، تتفوق، وفقاً لظروف التلقي، على الكتاب والمسرح في تعميق الإحساس بالمعايشة والانغماس، حتى تكاد الحدود بين المتخيل والواقع تتلاشى.
لكن هذه الساحة المتخيلة لا تمر مروراً عادياً على مشاهد قادم من منطقة ما تزال بعض أساطيرها القديمة تلقي بظلالها على حاضرها. ورغم اختلافها عن الموروث الإغريقي في المنشأ والمضمون، فإن رموزها تبدو أكثر ولعاً بإشعال الحروب. فما تزال "تفاحة الشقاق" تتدحرج، ليس من أجل "هيلين" جديدة، وإنما باسم أرض موعودة، وكأن بعض فصول الأسطورة في الشرق لم تمت، وإنما يعاد إنتاجها في وقائع معاصرة.
لا شيء في الأساطير يُخيف، فهي ابنة الخيال. لكن ما يبعث على القلق هو قدرتها، في بعض البيئات التاريخية والثقافية، على أن تتحول إلى مورد لحكايات أو تأويلات أُلبست ثوب القداسة، فاكتسبت سلطة تتجاوز كونها إرثاً ثقافياً. عندها لا تبقى حبيسة الكتب وإنما تغادرها إلى فضاءات أوسع، بحثاً عن وعد يُزعم أنه أقدم من الجغرافيا وأرسخ من التاريخ.
وهنا لا يبدو المشاهد، المثقل بمخزونه الثقافي وبأوجاع حكايات أُعيد بناؤها على الخرائط، قادراً على متابعة عمل سينمائي تجاوزت كلفة إنتاجه ربع مليار دولار، من دون أن تستيقظ في لاوعيه سرديات ما تزال تنبض في الحاضر. عندها يتحول فيلم الأوديسة من مجرد معالجة سينمائية حديثة للملحمة إلى بوابة لرحلة تأمل موازية. فبين عالم هوميروس، بكل طبقاته وتناقضاته وتقلباته، وما تمنحه المؤثرات البصرية والسمعية وتقنيات IMAX من حضور طاغ، يجد المشاهد نفسه يتتبع المسار الطويل الذي سلكته بعض الحكايات القديمة عبر العصور، وكيف أعادت الشعوب والثقافات تشكيلها وتأويلها، واستحضارها في سياقات تاريخية ودينية وسياسية متباينة.
ربما تدهشنا الأساطير لأنها نجت من اندثار الحضارات، وتبهرنا هوليوود حين تبعثها على الشاشة، لكن الأخطر هو حين تغادر فضاءاتها الأدبية والإنسانية، لتتحول إلى مرجعيات تُستدعى لإضفاء شرعية على صراعات الحاضر، فتغذي نزاعات وأزمات وجودية لا تكاد تنتهي.
أحمـــــــــــدع