أخبار عدن

الجمعة - 07 أغسطس 2026 - الساعة 11:39 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


أعادت الهجمات الحوثية الأخيرة على مدينة مأرب تسليط الضوء على هشاشة الهدوء الذي ساد جبهات القتال في اليمن خلال السنوات الماضية، وسط مخاوف من أن تكون عودة الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة إلى سماء المدينة مؤشرًا على انتقال الصراع مجددًا إلى مرحلة أكثر تصعيدًا.

وأفادت مصادر يمنية بأن جماعة الحوثي استهدفت، الجمعة، مدينة مأرب بصواريخ باليستية وطائرات مسيّرة، فيما أعلنت وزارة الدفاع اليمنية إسقاط عدد من المسيّرات في أجواء المدينة.

ورغم عدم الإعلان عن تفاصيل دقيقة بشأن حجم الخسائر والأضرار، فإن طبيعة الهجوم تحمل دلالة كبيرة بالنظر إلى أهمية مأرب الاستراتيجية ومكانتها كإحدى أبرز ساحات الصراع بين الحوثيين والقوات الحكومية.

ويأتي هذا التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي الذي أعقب الهدنة غير المعلنة التي بدأت منذ عام 2022، والتي خفّضت مستوى العمليات العسكرية الواسعة، لكنها لم تنجح في إنهاء الحرب أو الوصول إلى تسوية سياسية شاملة.

ولا تمثل مأرب مجرد مدينة عادية في خريطة الحرب اليمنية، فهي تعد من أهم مراكز الثقل العسكري والاقتصادي للحكومة اليمنية، كما تضم منشآت نفطية وغازية وموقعًا جغرافيًا يجعل السيطرة عليها ذات أهمية كبيرة بالنسبة لجميع أطراف النزاع.

ومنذ بداية الحرب، شكلت مأرب جبهة رئيسية للمواجهات بين الحوثيين والقوات الحكومية المدعومة من التحالف الذي تقوده السعودية.

وقد حاول الحوثيون خلال السنوات الماضية التقدم نحو المدينة والسيطرة عليها، باعتبارها بوابة مهمة نحو مناطق الشرق اليمني ومصدرًا مهمًا للموارد الاقتصادية.

ولهذا فإن استهداف مأرب بالصواريخ والمسيّرات لا يُقرأ فقط باعتباره هجومًا عسكريًا محدودًا، بل قد يعكس رغبة في الضغط على خصوم الجماعة وإعادة تثبيت حضورها العسكري في مرحلة تشهد فيها المنطقة تحولات أمنية واسعة.

وتأتي الهجمات الحوثية في سياق إقليمي مضطرب، إذ تشهد المنطقة تصاعدًا في التوترات المرتبطة بالمواجهة بين إيران وخصومها، وسط مخاوف من أن تمتد تداعيات هذه الصراعات إلى ساحات النفوذ المختلفة في الشرق الأوسط.

ويُنظر إلى الحوثيين باعتبارهم أحد أبرز حلفاء إيران في المنطقة، وقد سبق أن ربطت الجماعة عملياتها العسكرية بالتطورات الإقليمية، خصوصًا ما يتعلق بالصراع في البحر الأحمر والملفات المرتبطة بالمنطقة.

كما أن تصاعد التوتر بين السعودية والجماعات المدعومة من إيران في العراق واليمن يزيد من حساسية الوضع، خصوصًا مع استمرار المخاوف الخليجية من استهداف المنشآت الحيوية والممرات البحرية.

ورغم أن اليمن لم يشهد خلال الفترة الماضية عودة إلى الحرب الشاملة، فإن المواجهات المتقطعة استمرت في عدد من الجبهات، مع سقوط قتلى وجرحى من القوات الحكومية والحوثيين.

وأعلنت وزارة الدفاع اليمنية، بالتزامن مع هجمات مأرب، مقتل 17 جنديًا وضابطًا في هجوم نسبته إلى الحوثيين، فيما أعلنت الجماعة بدورها استهداف معسكرات حكومية في مأرب وحضرموت.

وتشير هذه التطورات إلى أن حالة التهدئة القائمة لم تكن اتفاق سلام نهائيًا، بل فترة توقف نسبي للعمليات العسكرية الواسعة، ظل خلالها الطرفان يحافظان على قدراتهما ويعيدان ترتيب صفوفهما.

ويثير تجدد استخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة تساؤلات حول ما إذا كان التصعيد الحالي مجرد رسالة ضغط عسكرية، أم أنه بداية لمرحلة جديدة من المواجهات.

وقد تكون لدى الحوثيين عدة دوافع وراء رفع مستوى العمليات في مأرب، من بينها تعزيز موقعهم التفاوضي، وإظهار قدرتهم على استهداف مناطق خاضعة للحكومة، خصوصًا في ظل تعثر مسارات التسوية السياسية.

كما يمكن أن يكون التصعيد محاولة للرد على تحركات عسكرية أو سياسية من جانب خصومهم، أو استثمارًا للتوترات الإقليمية الأوسع لتحقيق مكاسب على الساحة اليمنية.

وفي المقابل، تواجه الحكومة اليمنية تحديًا مزدوجًا يتمثل في الحفاظ على مواقعها العسكرية ومنع الحوثيين من استعادة زمام المبادرة، مع استمرار الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تحد من قدرتها على إدارة الصراع.

وتكمن خطورة التصعيد في أن أي توسع للعمليات العسكرية في اليمن قد يهدد المكاسب المحدودة التي تحققت خلال فترة الهدوء، ويعيد البلاد إلى دائرة الحرب المفتوحة.

كما أن عودة الهجمات بالصواريخ والمسيّرات قد تؤثر على الجهود الإقليمية الرامية إلى التوصل إلى حل سياسي، خصوصًا أن السعودية كانت خلال الفترة الماضية تسعى إلى تثبيت مسار التهدئة والتفاوض مع الحوثيين.

وفي حال توسعت المواجهات، فإن ذلك قد يعيد اليمن إلى صدارة الأزمات الإقليمية، خصوصًا مع ارتباط ملف الحوثيين بالتوازنات بين السعودية وإيران، وبأمن البحر الأحمر والملاحة الدولية.

وتكشف هجمات مأرب أن السلام في اليمن لا يزال هشًا، وأن غياب اتفاق سياسي شامل يجعل أي تصعيد محدود قابلًا للتحول إلى أزمة أوسع.

وبينما يملك الحوثيون القدرة على شن هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة، تملك الحكومة وحلفاؤها أوراقًا عسكرية وسياسية يمكن أن تعيد تشكيل موازين المواجهة.

ويبقى السؤال الأبرز: هل تمثل هجمات مأرب مجرد جولة ضغط جديدة ضمن صراع طويل، أم أنها بداية عودة الحرب اليمنية إلى مسار التصعيد المفتوح؟

الإجابة ستتوقف على طبيعة ردود الفعل خلال الفترة المقبلة، وعلى قدرة الأطراف اليمنية والإقليمية على احتواء التصعيد قبل أن يتحول إلى موجة جديدة من العنف تهدد سنوات الهدوء النسبي.