عرب وعالم

الأحد - 17 مايو 2026 - الساعة 12:47 م بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


أعلنت الحكومة البريطانية الأحد، نشر نظام دفاعي جديد منخفض التكلفة مضاد للطائرات المسيّرة في الشرق الأوسط، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الغربي بمواجهة التهديدات الجوية غير التقليدية التي أصبحت تمثل أحد أبرز التحديات الأمنية في المنطقة خلال السنوات الأخيرة.

ويأتي القرار البريطاني في توقيت حساس تشهد فيه منطقة الخليج والشرق الأوسط إعادة ترتيب واسعة للأولويات الأمنية والعسكرية، بالتزامن مع تصاعد المخاوف المرتبطة بأمن الملاحة الدولية واحتمالات التوصل إلى ترتيبات سياسية وأمنية جديدة عقب أي اتفاق سلام محتمل بين الولايات المتحدة وإيران.

وقالت وزارة الدفاع البريطانية إن النظام الجديد جرى تطويره بالتعاون مع شركات صناعات عسكرية بريطانية خلال فترة زمنية قصيرة، حيث تم الانتقال من مرحلة الاختبارات إلى مرحلة النشر العملي خلال أقل من شهرين.

وأكدت لندن أن الهدف من هذه الخطوة يتمثل في حماية القوات البريطانية والمواطنين البريطانيين والشركاء الإقليميين من تهديدات الطائرات المسيّرة التي باتت تستخدم على نطاق واسع في النزاعات الحديثة.

ويعكس الإعلان البريطاني تحولاً واضحاً في طبيعة التفكير الدفاعي الغربي تجاه التهديدات الجوية منخفضة التكلفة. فخلال السنوات الماضية، أثبتت الطائرات المسيّرة أنها قادرة على إحداث تأثيرات عسكرية وأمنية كبيرة بكلفة محدودة مقارنة بالأنظمة التقليدية، سواء عبر استهداف منشآت الطاقة أو القواعد العسكرية أو حتى السفن التجارية في الممرات البحرية الحساسة.

وأظهرت تجارب النزاعات في الشرق الأوسط وأوكرانيا أن هذه المسيّرات تستطيع استنزاف أنظمة الدفاع التقليدية من خلال الاعتماد على الكثافة العددية والقدرة على المناورة، ما دفع الدول الغربية إلى البحث عن حلول دفاعية أكثر كفاءة وأقل تكلفة.

وفي هذا السياق، أوضحت الحكومة البريطانية أن مقاتلات “يوروفايتر تايفون” التابعة لسلاح الجو الملكي ستُزوّد بأسلحة جديدة عالية الدقة، قادرة على اعتراض الأهداف الجوية وتدميرها بكفاءة أكبر، وبتكلفة تقل كثيراً عن تكلفة الصواريخ التقليدية المستخدمة حالياً.

وترى لندن أن هذا التطوير يمثل جزءاً من استراتيجية أوسع تهدف إلى بناء منظومة دفاعية قادرة على التعامل مع “التهديدات الرخيصة” دون استنزاف الموارد العسكرية والمالية.

كما كشفت وزارة الدفاع البريطانية أن النظام الجديد خضع لاختبارات ميدانية خلال الأشهر الماضية، تضمنت تنفيذ ضربات تجريبية ناجحة ضد أهداف أرضية، إضافة إلى تدريبات جوية نفذها طيارو سلاح الجو البريطاني خلال أبريل الماضي، أظهرت قدرة النظام على التصدي للطائرات المسيّرة والهجمات الجوية الحديثة.

وتشير هذه الاختبارات إلى أن بريطانيا تسعى إلى تسريع إدخال التقنيات الجديدة إلى الخدمة الفعلية في ظل التحديات الأمنية المتنامية في الشرق الأوسط.

ويأتي نشر هذا النظام بالتوازي مع تحركات عسكرية أوسع تقودها بريطانيا وفرنسا في الخليج العربي ومحيطه.

وخلال الأسابيع الأخيرة، أعلنت لندن وباريس عن ترتيبات لاجتماعات متعددة الجنسيات لوزراء الدفاع بهدف مناقشة خطط عسكرية لإعادة تأمين حركة التجارة في مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية في العالم لنقل النفط والطاقة.

كما بحث مخططون عسكريون من البلدين الجوانب العملية لمهمة مشتركة لحماية الملاحة البحرية في حال التوصل إلى وقف لإطلاق النار أو تفاهمات سياسية جديدة في المنطقة.

وفي إطار هذه الاستعدادات، دفعت فرنسا بحاملة الطائرات النووية “شارل ديغول” إلى الشرق الأوسط، بينما أرسلت بريطانيا المدمرة “إتش إم إس دراغون”، ضمن ما وصفته الحكومتان بتموضع احترازي واستباقي يهدف إلى ضمان الجاهزية لأي مهمة دولية محتملة لحماية الملاحة والتجارة البحرية.

وأكدت لندن أن نشر المدمرة البريطانية يشمل أيضاً دعم عمليات إزالة الألغام البحرية وتعزيز ثقة شركات الشحن العالمية في أمن الممرات البحرية.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات لا ترتبط فقط بحماية الملاحة، بل تعكس أيضاً محاولة بريطانية لاستعادة حضورها الأمني والعسكري في الشرق الأوسط بعد سنوات من التراجع النسبي.

ومنذ خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، تسعى لندن إلى تعزيز دورها الدولي عبر توسيع حضورها في الملفات الأمنية العالمية، خصوصاً في المناطق المرتبطة بأمن الطاقة والتجارة الدولية.

كما أن التركيز البريطاني على الأنظمة الدفاعية منخفضة التكلفة يحمل أبعاداً استراتيجية مهمة. فالدول الغربية باتت تدرك أن الاعتماد على صواريخ باهظة الثمن لاعتراض طائرات مسيّرة بسيطة لم يعد خياراً عملياً في الحروب الحديثة. إذ يمكن لطائرات صغيرة زهيدة الثمن أن تستنزف أنظمة دفاعية متطورة تكلف ملايين الدولارات، ما يفرض ضرورة تطوير حلول دفاعية أكثر استدامة ومرونة من الناحية الاقتصادية والعسكرية.

ومن المتوقع أن يشكل ملف الدفاع ضد المسيّرات أحد أبرز محاور التنافس العسكري خلال السنوات المقبلة، خاصة مع توسع استخدام هذه التكنولوجيا من قبل الجيوش النظامية والجماعات المسلحة على حد سواء. فالتطور السريع في تقنيات الطائرات بدون طيار جعلها أداة أساسية في الحروب الحديثة، سواء في مهام الاستطلاع أو الهجوم أو الحرب الإلكترونية، الأمر الذي يدفع القوى الكبرى إلى الاستثمار بشكل متزايد في تطوير أنظمة اعتراض وتشويش قادرة على التعامل مع هذا النوع من التهديدات.

وفي الشرق الأوسط تحديداً، تبدو الحاجة إلى هذه الأنظمة أكثر إلحاحاً في ظل استمرار التوترات الإقليمية، وارتباط أمن الملاحة البحرية باستقرار أسواق الطاقة العالمية.

ولذلك تسعى بريطانيا، إلى جانب حلفائها الغربيين، إلى بناء شبكة دفاعية متكاملة تجمع بين القدرات الجوية والبحرية والتكنولوجية، بهدف ضمان حماية مصالحها ومصالح شركائها الإقليميين.

وبينما تؤكد لندن أن تحركاتها ذات طبيعة دفاعية ومرتبطة بحماية الأمن البحري والاستقرار الإقليمي، يرى مراقبون أن نشر هذه الأنظمة العسكرية المتطورة يعكس أيضاً تصاعد سباق التسلح التكنولوجي في المنطقة، حيث باتت المسيّرات وأنظمة الدفاع المضادة لها تمثل أحد أبرز عناصر التوازنات العسكرية الجديدة في الشرق الأوسط.