الثلاثاء - 12 مايو 2026 - الساعة 06:02 م
كنت قد قررت التوقف عن تناول هذه القضية، أقصد قضية "الجنوب العربي" لولا إصرار البعض على جعلها قضية الساعة، وإعطائها أولوية على الكثير من القضايا الوطنية الكبرى والملحة العاجلة والآجلة، لكنني أعد القراء الكرام أنني سأتوقفا عن تناول هذه القضية بعد هذا المنشور.
بالأمس تلقَّيت رسالةً صوتية على تطبيق WhatsApp من رقم مجهول، ذكر فيها صاحب الرسالة اسمي واسماء آخرين ممن يقول إننا ضد الجنوب العربي، وطبعا لم تخلُ الرسالة من الاتهام بمخطط "العودة إلى باب اليمن" وأن هؤلاء (أي أنا وبقية المتهمين) من بقايا الحزب الاشتراكي، وهو اتهام لا ننكره كما يفعل البعض، لكن أطرف ما في الرسالة وأكثرها جاذبية أن صاحبها يختتمها بالقول "سندعس هؤلاء وكل من يقف ضد الجنوب العربي".
ولانني قد تعودت مثل هذه الاتهامات والتهديدات، فانني لم أعِر الموضوع أي اهتمام وما استعراضي لهذه الحادثة إلَّا لغرض الإشارة إلى نوع "الثقافة" التي نشأت بعد حالة التجريف الفكري والسياسي والثقافي الذي تعرض له الجنوب منذ العام 1994م، وعموما فإن ثقافة "الدعس" ليست حالةً فردية، بل أستطيع الجزم أنني أقرأ وأسمع كل يوم مئات العبارات المشابهة عبر شبكة التواصل الاجتماعي، بعضها لأسماء ذات مقامات ومستويات أكاديمية واجتماعية، بل وسياسية معتبرة.
وعلى أي حال هذا ليس ما أريد التوقف عنده، فحينما تناولت في منشور سابق موضوع "الجنوب العربي" لم أكن أعبر عن رأيي في المشروع الجنوبي الذي يعلمه كل متابعي تصريحاتي ومقابلات ومواقفي منذ مطلع الألفية، لكن تحفظي ليس على المشروع الجنوبي، بل كان يتعلق بأمرين: الأول إن اسم الدولة الجنوبية القادمة، التي نؤمن باستعادتها كإيماننا بشروق شمس الغد، هذه التسمية هي من صلاحيات الشعب الجنوبي بأغلبيته المطلقة، وليس من حق أحد أن يقرره نيابة عن الشعب؛ والأمر الثاني هو إن لدى الشعب الجنوبي وقواه السياسية، وفي مقدمتها المجلس الانتقالي الجنوبي، عشرات، كي لا أقول المئات، من التحديات التي ينبغي أن ينشغل بها الجميع وأولها تثبيت مشروع التحرير والاستقلال، وثانيها بالنسبة للمجلس الانتقالي ترسيخ وجود المجلس أمام محاولات الاستئصال والاجتثاث، وإعاده هيكلته ومراجعة تجربته والحرص على بقائه في الواجهة حاملًا لراية المشروع الجنوبي وبنفس الوقت إعادة صوغ منظومة العلاقات مع الأشقاء والأصدقاء على اسس مصالح الشعب الجنوبي في ضوء المعطيات الجديدة، ومواجهة محاولات إعادة الغزو التي نشهدها هذه الأيام بمشاركة سلطات الأمر الواقع في الجنوب والجماعة الحوثية على الحدود، ولن أتحدث عن التحديات الأخرى المتصلة بمعاناة المواطنين الجنوبيين مع الخدمات والمعيشة والغلاء وانهيار سعر العملة وغياب الدولة وانتشار جرائم القتل والاختطاف وانتشار المخدرات وتهريب الممنوعات، . . كل هذه تحديات أمام المجلس الانتقالي اليوم بعد أن تخلص من ورطة الشراكة وغدا كيانًا سياسيًا معارضًا معبرًا عن هذه المعانات، اما المسميات والاسماء والالقاب فهذه ليست ذات أولوية في هذه اللحظة التاريخية المعقدة والمليئة بالالتباسات.
والحقيقه انني شاهدت مقابلة متلفزة للاخ شكري باعلي الذي أسجل له كل الاحترام والتقدير كواحد من الأصوات الجنوبية المعتبرة، المقابلة المتلفزة التي قال فيها إن تسمية "المجلس الانتقالي للجنوب العربي" جاء من أجل تثبيت الهوية.
ولأن الحديث في موضوع الهوية يطول ويتطلب أكثر من وقفة، بعد أن تبين لي أن هناك سوء فهم وربما عدم فهم لمعنى الهوية فسأختصر حديثي بما تعرضت له في كتابي "القضية الجنوبية وإشكالية الهوية" الصادر في القاهرة في طبعتين عامي 2023، 2024م، ليتبين للجميع أن "الجنوب العربي" كمفهوم جغرافي، وحتى "اتحاد الجنوب العربي" كبنية سياسية، لم يكن ذا هوية واحدة نظرا لتعدد الكيانات السياسية والجغرافية والهويات المناطقية الداخلة في البنيتين، حينما كان الجنوب في وضع يخضع للاستعمار الأجنبي، . . نحن نقول هذا ليس عداءً ولا حبًّا في المفاهيم، ولكن تعريفًا بما يقوله علم السياسة وعلم الاجتماع وعلم التاريخ، فالهوية الجنوبية لم تولد إلَّا مع ولادة الدولة الجنوبية في العام 1967م، بغض النظر عن رضى أو عدم رض البعض عن سياسات هذه الدولة.
ومن نافل القول إن الهوية (كمفهوم سياسي وسيسيولوجي) مثلها مثل أي كائن حي، تولد وتنمو وتزدهر وتتسع وتكبر وتتبلور وتترسخ، وقد تذوي وتضعف وتضمحلُّ وتشيخ وتموت، تماما مثل جميع الكائنات الحية الأخرى، . . .الهوية ليست معطىً ثابتًا إلى الأبد، بل ظاهرة سياسية اجتماعية قابلة للتطوُّر والتغيُّر والتبدُّل والاتِّساع والتضيُّق، بيد إن الحديث في هذا الأمر قد يطول ويمكن لمن أراد، أن يرجع إلى كتابي الذي تحدثت عنه منذ قليل والتوسع في القراءة عن مفهوم "الهوية" في كتابات علم الاجتماع السياسي، لكن باختصار شديد نحن نقول إن الهوية لا تولد في يوم وليلة ولا تُصنع بقرار إداري أو بإجراء سياسي، لكنها تنشأ بتنمية عناصر الانتماء والشراكة الشاملة في الأرض والمصالح والتاريخ والجغرافيا والثقافة والشعور بالأمان لكل أصحابها.
وعودةً إلى موضوع المسميات أكرر، لسنا ضد هذا المسمى أو ذاك، ولا نتعصب لهذا المسمى أو ذاك، لكن مسمى الدولة (وأنا أتحدث هنا عد الدولة الجنوبية المستقبلية) يجب أن يكون حصيلة استفتاء شعبي عام وشامل يشارك فيه كل الشعب الجنوبي، وذلك لن يتحقق إلَّا بعد استعادة الدولة الجنوبية بحدودها التاريخية المعروفة يوم 21 مايو 1990م.
ولهذا نقول "لا تضعوا العربة أمام الحصان"!