أخبار وتقارير

السبت - 18 أبريل 2026 - الساعة 11:50 ص بتوقيت اليمن ،،،

مختار الدبابي


بين شراكة استراتيجية عميقة مع إيران، وتحالفات تقليدية راسخة مع السعودية والخليج، تتحرك إسلام آباد على حبل مشدود، حيث يصبح كل خيار مكلفًا، وكل توازن مؤقتًا. من هنا يبرز السؤال الجوهري: هل تلعب باكستان دور الوسيط المحايد، أم أنها تدير توازنًا محسوبًا يهدف إلى تعظيم المكاسب وتفادي الخسائر في آن واحد؟

يتمسك الإيرانيون بالوساطة الباكستانية كقناة وحيدة مع الولايات المتحدة، وليس بسلطنة عمان التي مثّلت في السنوات الأخيرة قناة الاتصال الأكثر فاعلية ومقبولية في الملفات المعنية بإيران، من الاتفاق بشأن الملف النووي في 2015، مرورًا بالحوار الأميركي-الأممي مع الحوثيين، وصولًا إلى ما قبل حرب الأربعين يومًا.

إيران هي من اختارت باكستان وسيطًا، والولايات المتحدة لم تمانع. وقد قالت طهران إنها لا تريد وسيطًا خليجيًا، والمقصود أساسًا سلطنة عمان، لأن الوسيط الخليجي الآخر، أي قطر، طرف في الحرب، ولا يمكن أن تلعب الدوحة دور الوسيط مع من يقصفها. وقد رفض القطريون أن يكونوا وسطاء، في ما يبدو ردًا على عرض إيراني لاختبار قدرة قطر على توصيل الرسائل وخبراتها الميدانية مقارنة بباكستان.

ما يهم الأميركيين هو وجود قناة تواصل لاستقبال الردود الإيرانية حول بنود الاتفاق، خاصة ما يتعلق بالتنازلات، ولذلك لم يمانعوا في أن يكون الوسيط إسلام آباد أو غيرها. الشروط الأميركية والإيرانية معلومة، وقد نُشرت في وسائل الإعلام بسرعة، ومهمة قناة الاتصال هي نقل الضغوط والشروط، ومقايضة التنازلات، وتوصيل ما لا يقدر عليه الإعلام. وهناك بلدان تبدو عادة رافضة لأي تنازلات، لكن العارفين يدركون أنه كلما اشتدت المزايدة المعلنة، زاد منسوب التنازلات؛ فهي تدرك أن الشعوب تستمتع بالشعارات، وليس مهمًا إن مرت تنازلات خفية، حتى لو اكتُشفت متأخرًا فسيُعثر لها على مبرر.

تُوجَّه اتهامات لوساطة باكستان بأنها تسعى لإنقاذ إيران عبر الانخراط في لعبة شراء الوقت التي تتقنها، وأن زيارة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير إلى طهران ولقاءه عددًا من المسؤولين تضفي مقبولية دولية على تلك اللعبة، حتى وإن كانت بطلب أميركي.

في المقابل، هناك مصالح متبادلة تجعل باكستان تتحرك لتطويق الصراع، ويبدو موقفها منطقيًا ومائلًا إلى إيران. فهناك عامل جغرافي حاسم، يتمثل في كون إيران دولة مجاورة، ومن مصلحة باكستان أن تكون مستقرة، لأن اتساع الفوضى يهدد استقرارها. كما توجد مصالح اقتصادية مباشرة، وإن كانت محدودة وخاضعة لتأثير العقوبات الأميركية.

تستفيد إسلام آباد من حركة التهريب نتيجة ذلك، لكن الأهم هو خط الغاز المعروف باسم «خط السلام»، الذي يُرجَّح أن يكون بوابة إيران نحو دول جنوب شرق آسيا، لكنه يظل مرهونًا بالفيتو الأميركي.

وهناك عامل أمني مهم يتمثل في التنسيق ضد الحركات الانفصالية، وخاصة ضد طالبان، ما يجعل العلاقة المتينة مع إيران شرطًا ضروريًا للأمن القومي الباكستاني، وهو ما قد يفسر تعاطف الوسيط في هذه الحالة. والأهم أن باكستان تسعى إلى الحفاظ على علاقة قوية مع إيران في سياق تجنب اختلال التوازن مع الهند، في إطار شراكة ضرورية لمنع تطويقها إقليميًا. كما أن العلاقة بين البلدين تمثل حلقة مفصلية في مشروع «الحزام والطريق» الصيني، ولا يمكن لأي منهما التضحية بهذا المسار الاستراتيجي لصالح أي طرف، بما في ذلك الولايات المتحدة.

لكن السؤال المطروح هنا: كيف يمكن لباكستان أن تكون حليفًا أو صديقًا لإيران، وفي الوقت نفسه تضع نفسها ضمن الحلف الخليجي ضدها؟

يشير هذا السؤال إلى وجود فجوة، ليس في العلاقة مع إيران، فهي علاقة ثابتة واستراتيجية، بل في علاقة باكستان مع دول الخليج، وعلى رأسها السعودية. وهي فجوة قد تتعارض مع التحالف الدفاعي بين البلدين، ومع الدعم المالي السعودي لإسلام آباد، الذي نشط خلال الحرب.

صحيح أن علاقة باكستان بالسعودية متينة ومستقرة واستراتيجية، لكنها ليست في حجم العلاقة مع إيران، وهو أمر مفهوم لدى الخليجيين عمومًا. وتحرص إسلام آباد على التموضع إلى جانب دول الخليج للاستفادة من فرص المساعدات والقروض، دون الإخلال بالتزامها بالشراكة مع إيران.

ومن المفيد الإشارة إلى أن باكستان لم تُبدِ خلال العقود الماضية رغبة في الزعامة الإقليمية، وكان أقصى دورها في المؤسسات الإسلامية هو العمل تحت مظلة منظمة التعاون الإسلامي (المؤتمر الإسلامي سابقًا) جنبًا إلى جنب مع السعودية، والاستفادة من المساعدات المقدمة لها لمواجهة أزماتها الداخلية. ورغم امتلاكها للسلاح النووي، لا تظهر على إسلام آباد رغبة في إثارة أزمات خارجية، بل تكتفي بإدارة التوتر مع الهند وأفغانستان.

كما تجدر الإشارة إلى أن الرياض طلبت مساندة الجيش الباكستاني في حرب اليمن عام 2015، إلا أن البرلمان الباكستاني رفض تمرير هذا الطلب، رغم عضوية باكستان في «التحالف الإسلامي العسكري لمحاربة الإرهاب»، الذي تأسس عام 2015 بهدف غير معلن يتمثل في بناء قوة إقليمية في مواجهة التمدد الإيراني، بدعم مباشر من واشنطن خلال ولاية ترامب الأولى.

لكن لماذا نشط التقارب الدفاعي بين باكستان والسعودية في هذه الفترة؟ الأقرب أن الأمر يتعلق بإظهار التضامن أكثر منه بشراكة دفاعية حقيقية قد تدفع باكستان إلى الوقوف ضد إيران في حال تصاعدت المواجهة عسكريًا، وعادت طهران إلى استهداف دول الخليج ومنشآتها النفطية. فمن الصعب أن تتدخل باكستان عسكريًا أو تنخرط في حرب بالوكالة لصالح السعودية أو الولايات المتحدة، لأن ذلك يتناقض مع علاقاتها الاستراتيجية مع إيران ومصالحها وأمنها القومي. ولا يعدو إرسال بعض الطائرات القتالية إلى السعودية كونه موقفًا رمزيًا لطمأنة المملكة، وتوفير مظلة للحصول على الدعم المالي. وبالفعل، حصلت باكستان على تعهدات سعودية بتقديم 3 مليارات دولار كودائع إضافية، إلى جانب تمديد وديعة سابقة بقيمة 5 مليارات دولار لفترة غير محددة.

هل نجحت وساطة باكستان فعليًا في إنهاء الحرب، أم أن دورها اقتصر على نقل الرسائل بين الطرفين؟ يكتسب هذا السؤال مشروعيته من أن الوساطة عادة ما تتضمن طرح أفكار ومقترحات تساعد على إطلاق التفاوض أو تجاوز تعثراته. غير أن ما يظهر حتى الآن هو أن باكستان اكتفت باستقبال الوفود، وتأمين اللقاءات، أو التنقل إلى إيران لعرض وجهة النظر الأميركية ونقل الرد الإيراني.

وللتغطية على محدودية تأثيرها، سعت باكستان إلى توفير غطاء إقليمي لتحركها من خلال استضافة مسؤولين من تركيا ومصر والسعودية، أو عبر عقد لقاء رباعي في مدينة أنطاكيا التركية، لمناقشة تطوير حلول إقليمية للقضايا الراهنة، ولا سيما الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران.

ومن المهم الإشارة إلى أن هذا اللقاء الرباعي لا يتجاوز دور المظلة، إذ تسعى أطراف عدة إلى الحضور في المشهد، خاصة تلك التي لم تجد مدخلًا للتأثير المباشر، مثل مصر وتركيا. وهو أقرب إلى محاولة لفت الانتباه إلى أن الحرب لم تُهمّش هذه القوى، رغم عدم تمكنها من لعب دور دبلوماسي فعّال، بسبب حرص الولايات المتحدة على تجنب إشراك وسطاء إقليميين، واشتراط إيران حصر الوساطة في باكستان.

ويبقى التساؤل قائمًا: هل يمثل هذا الحراك التفافًا حول باكستان، أم حول السعودية، في سياق التنافس على موقع في مرحلة ما بعد الحرب، في ظل تلويح خليجي بأن المرحلة المقبلة ستُحدّد الشراكات بناءً على المواقف من الحرب؟

كما يبرز سؤال آخر حول قدرة هذا الرباعي على بناء أرضية مشتركة للتأثير إقليميًا ودوليًا، في ظل الحديث عن تحالف محتمل بين هذه الدول. غير أن هذا الطرح يظل غامضًا ما لم تُحدَّد طبيعته: هل هو تحالف ضد إيران؟ أم تحالف عسكري أم اقتصادي؟ أم مجرد إطار للتسويق السياسي والإعلامي؟

في المحصلة، لا تبدو باكستان مضطرة للاختيار بين السعودية وإيران، بقدر ما تسعى إلى إدارة التناقض بينهما كفرصة استراتيجية. فسياساتها لا تقوم على منطق الاصطفاف، بل على مبدأ «تعدد المحاور»، الذي يتيح لها الاستفادة من جميع الأطراف دون الانخراط الكامل مع أي منها. غير أن هذا التوازن يظل هشًا، وقابلًا للاهتزاز مع أي تصعيد إقليمي واسع، قد يفرض عليها اختبارًا صعبًا بين الجغرافيا والمصالح من جهة، والالتزامات والتحالفات من جهة أخرى.