الجمعة - 17 أبريل 2026 - الساعة 12:52 م
بعد عقود طويلة من القيود الإيرانية، بات لبنان على الأقل قادرًا على التحرّك خارج ذلك الطوق، اللقاء اللبناني – الإسرائيلي تحت المظلة الترامبية، هذا المشهد بالفعل تاريخي فهو يعني في فلسفته تجسيدا لمقولة كميل شمعون مؤسس حزب الأحرار الوطنيين (الحرية هي أغلى ما يملكه اللبناني، وإذا فُقدت فقد لبنان مبرر وجوده)، هذه فلسفة عميقة تضع إطارا لما كسره لبنان الدولة والإنسان فيمد يد السلام إلى إسرائيل.
الإيرانيون فقدوا بلا شك سيطرتهم على لبنان، وما يشكّله حزب الله في العقيدة الثورية الإيرانية أكبر بكثير من أن يُختزل في ذراعٍ عسكرية أو ورقة ضغط سياسية تقليدية، فهو امتدادٌ لهوية مشروع، وجزءٌ من هندسة النفوذ التي بُنيت على مدى الثورة الخمينية في 1979، ولهذا فإن خسارته لا تعني تراجعًا ميدانيًا فحسب، إنما تصدّعًا في بنية التصوّر الإستراتيجي الذي قامت عليه طهران في الإقليم.
من حرب الـ12 يوما إلى حرب الـ40 يوما، خسرت إيران أكثر بكثير من قيادات الصف الأول والثاني، خسرت، في الحقيقة، هيبتها العقائدية، ولاية الفقيه، بوصفها النهج المؤطِّر لهذه الحروب، تعرّضت لاختبار قاسٍ طحن الفكرة ذاتها، إلى درجة أن أنصار إيران لم يعد لديهم حتى اليقين الذي كانوا يستندون إليه، ولا القدرة على إعادة إنتاج السردية التي طالما منحتهم شعور التفوق والصمود.
لبنان، في العقلية الخمينية، أكثر من جغرافيا مطلّة على البحر المتوسط أو موقع شمال إسرائيل، وليس مجرد امتدادٍ لسوريا، فكل ذلك يتلاشى في الذهنية الثورية التي ترى فيه المخلب الأكثر قسوة وأداة النفوذ الأشد فاعلية، ولإدراك حجم هذه القدرة، لا بد من استحضار حادثة مقتل أكثر من 220 جنديًا من مشاة البحرية الأميركية عام 1983، إذ شكّلت ضخامة العملية لحظةً تأسيسية في بناء سردية الردع، ورسّخت قناعة بأن هذا الامتداد قادر على إيلام الخصوم وفرض معادلات تتجاوز حدود الجغرافيا التقليدية.
لطالما بقي لبنان أسيرًا لإيران ضمن منهجية خمينية تقوم على توظيف “الرهائن” كأداة تفاوض، فكما فاوض الحرس الثوري الإيراني الإدارة الأميركية بقيادة جيمي كارتر عقب أزمة الرهائن في السفارة الأميركية بطهران 1979، استمرت هذه المقاربة في إدارة النفوذ خارج الحدود.
تحوّل لبنان إلى ورقة تفاوض دائمة، يُدار بمنطق المقايضة لا بمنطق الدولة، حيث تُربط قراراته السيادية بمصالح طهران، ويُستخدم حضوره الإقليمي كأداة ضغط ضمن صفقات أكبر تتجاوز حدوده.
من هنا يمكن النظر بموضوعية إلى اللقاء المباشر بين إسرائيل ولبنان باعتباره قطعًا لليد الإيرانية. الحدث كبيرٌ بحجم إرث لبنان، الذي دفع أثمانًا باهظة في هذه الحرب الطويلة.
لبنان، من 1920 إلى 2026، أي على امتداد 106 أعوام كاملة، شهد تحولات ديموغرافية عميقة أعادت تشكيل هويته، فانتقل من صيغةٍ قامت على توازن دقيق بين الأديان والطوائف، إلى واقع أكثر هشاشة واختلالًا، بعدما تآكلت تلك المعادلة تدريجيا تحت وطأة الحروب والوصايات والتدخلات الخارجية.
جغرافيا كانت في مرحلة ما ذات طابع مسيحي وازن، تحوّلت إلى مساحة مفتوحة لإعادة توزيع النفوذ، حيث لم تعد الحدود تُرسم بالجغرافيا فقط، بل بموازين القوة والسلاح، وعليه، فإن أي انتقال نحو تواصل مباشر بين بيروت وتل أبيب لا يمكن قراءته كحدث، بل كمؤشر على تحوّل عميق في بنية الصراع، وانتقال من زمن الوكالة إلى لحظة إعادة تعريف القرار السيادي اللبناني.
وتماما كما تُقطع اليد الإيرانية، انتهت أيضا مرحلة الوصاية السعودية، معادلة معقّدة عاشها لبنان من ما بعد الحرب الأهلية، التي أفضت إلى إنهاء الصيغة الجمهورية التقليدية واستبدالها بنظام محاصصة أعادت الرياض صياغته في اتفاق الطائف 1989.
صحيح أن الحرب الأهلية انتهت، غير أن الحقيقة الأعمق أن نهايتها أنهت معها توازنات النظام الجمهوري، وفتحت الباب أمام نظام تقاسم نفوذ لا دولة مؤسسات، هذا النموذج، الذي قام على توزيع السلطة بدل ترسيخها، خلق فراغات بنيوية استثمرتها إيران لاحقًا لفرض سياساتها وتوسيع حضورها.
تلك الفراغات لم تكن سياسية فقط، وإنما امتدت إلى ملفات حساسة، كقضية اللاجئين والمخيمات الفلسطينية، التي تحولت إلى مساحات خارج السيطرة السيادية، تُدار بتوازنات إقليمية أكثر مما تُدار بمنطق الدولة، لم يكن لبنان ساحة نفوذ مزدوجة فحسب، وإنما مساحة مفتوحة لتقاطع الوصايات، حتى تحوّل القرار فيه إلى نتيجة تفاهمات خارجية، لا تعبيرًا عن إرادة داخلية.
بيروت تتلمّس طريقًا آخر، عليها فيه أن تعيد صياغة نفسها، وأن تعيد تعريف استقلالها الوطني فيما تقف في أقصى شبه الجزيرة العربية عدن، الخاضعة لسلطة أمر واقع، حيث لا يزال مفهوم الاستقلال الوطني حلمًا يراود الناس في الجبال والسهول.
كانت عدن قريبة من أن تنال استقلالها الثاني، غير أن تعقيدات المشهد الإقليمي وتداخل الحسابات السعودية أعادت هذا المسار إلى نقطة التعليق، لتبقى المدينة عالقة بين مشروع دولة لم يكتمل، وواقع سياسي يُدار بتوازنات تتجاوز إرادة الداخل.
هذه أيام الحقائق الكبرى، إسرائيل دولة تعترف بها 163 دولة حول العالم، واقعٌ كامل يمتلك مشروعيته لا بالقوة وحدها، وإنما بواقعية الوجود وتراكم الاعتراف الدولي، فيما إيران التي بنت نفوذها على فكرة التمدد عبر الوكلاء، تجد نفسها اليوم أمام انكماش قاسٍ، لا في الأطراف فقط، بل في مركز الفكرة ذاتها.
لم تعد المسألة صراع نفوذ بين القوى التقليدية، السعودية والإيرانية، فقد تحوّل في طبيعة المنطقة، من زمن الشعارات إلى زمن الوقائع، من منطق “المقاومة كهوية” إلى منطق “الدولة كضرورة”، هنا تتكشف المفارقة بوضوح، بيروت، التي كانت رهينة هذا الاشتباك، تخرج تدريجيًا من عباءته، فيما لا تزال عدن تحاول أن تجد طريقها إلى ذاتها.
الفارق بين المدينتين ليس في الجغرافيا، بل في لحظة القرار، بيروت، رغم كل ما دفعته من أثمان، بدأت تعيد تعريف موقعها، تجرّب أن تكون دولة لا ساحة، وأن تتحرك خارج منطق الوكالة والوصاية، أما عدن، فلا تزال عالقة في نقطة الصفر، حيث تُدار السياسة فيها من خارجها، وتُؤجل فيها الأسئلة الكبرى لصالح ترتيبات مؤقتة.
وهنا تكمن الإشكالية الحقيقية، الاستقلال لا يُمنح، بل يُنتزع حين تتشكل إرادته داخليًا قبل أن يُعترف به خارجيًا، لبنان، بكل تعقيداته، يقترب من هذه اللحظة، بينما الجنوب العربي لا يزال يدور في فلكها دون أن يلامسها.
"واقع بيروت.. أحلام عدن” ليس توصيفا أدبيا، بل معادلة سياسية مكثفة، الأولى تبدأ الخروج من تاريخ الوصايات، والثانية لا تزال تبحث عن نقطة بداية، في النهاية، المنطقة لا تعود إلى ما كانت عليه، ومن لا يعيد تعريف نفسه، ستُعاد صياغته خارج إرادته.
هذا زلزال كبير ضرب الشرق الأوسط، المستفيد منه الشعوب التي طالما دفعت ثمن صراعات النفوذ والوصايات، ففي بيروت، بدأ اللبناني يلمس أن الحرية، تلك الكلمة التي جعلها كميل شمعون مبرر الوجود، قد تعني فعلاً أن يمد يده إلى حيث يشاء، حتى لو كان الطرف الآخر هو إسرائيل، ليس حباً بها، بل قطعاً ليد من كانت تمسك بمقوده من الخلف، إنه خيار صعب، قاسٍ، ومثير للجدل، لكنه في جوهره خيار سيادي لا يقاس بمدى حب الطرف الآخر، بل بقدرة اللبناني على أن يكون سيد قراره.
أما في عدن، فلا تزال الأحلام معلقة بين سماء صافية وغيوم التدخلات، أحلام الاستقلال الثاني، والانعتاق من تبعات حروب لم تنتهِ، وانتظار لحظة يكون فيها القرار للجنوبيين أنفسهم، عدن اليوم ليست مجرد مدينة، إنما رمز لشعب بأكمله يتساءل.. متى يحين دورنا لنكون مثل بيروت في لحظة كسرها للطوق؟
واقع بيروت اليوم ليس مثالياً، فهي مدينة ما زالت تعاني من انفجار مرفئها، ومن انهيار اقتصادي، ومن جراح سياسية لم تندمل، لكن الجديد أنها تتحرك، تخطو، تجرب، وتخطئ وتصيب، لكنها تتحرك بإرادتها، أما أحلام عدن، فهي أقرب إلى طموح مشروع، تنتظر أن تتحول إلى واقع يلمسه الناس في بيوتهم وشوارعهم وموانئهم.
المستفيد الأكبر من هذا الزلزال الذي ضرب الشرق الأوسط هو الإنسان العربي البسيط، ذلك الإنسان الذي اكتشف أن كل الأيديولوجيات التي بيعت له كانت مجرد أوهام، وأن إيران لم تكن تريد له سوى أن يكون وقوداً لمشروعها، وأن بعض الأنظمة الأخرى لم تكن تريد له سوى أن يكون أداة في لعبة كبرى.
إذا كان لبنان قادراً على كسر قيوده رغم كل ما فيه من طائفية وهشاشة، فذلك يمنح أملًا لكل عربي يبحث عن دولته المستقلة، وعندها فقط، لن تكون عدن أو بغداد أو دمشق أو الخرطوم مجرد حلم، بل ستكون بيروت أخرى، أو ربما نموذجاً مختلفاً، لكنه بلا شك سيكون عربيا، حرا، ومستقلا.
فإما أن نصنع واقعنا بأيدينا، أو سيبقى الآخرون يصنعون أحلامنا.. ويعبثون بها.