كتابات وآراء


الثلاثاء - 14 أبريل 2026 - الساعة 03:33 م

كُتب بواسطة : خيرالله خيرالله - ارشيف الكاتب



ذهب النظام الإيراني إلى التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة من أجل كسب الوقت وليس من أجل كسب ثقة إيرانيّة بتصرفات إدارة دونالد ترامب. لم يعد لدى النظام الإيراني القائم منذ العام 1979غير هدف واحد هو هدف البقاء.

النظام ليس ساذجا. إنّه يعرف ما الذي يريده حتى عندما يخطئ في حساباته ويضطر إلى الدفاع عن نفسه في إيران نفسها. ليس الموضوع موضوع ثقة أميركيّة في إيران، كما يقول المسؤولون الإيرانيون. يتعلّق الموضوع بكل بساطة بمدى استعداد “الجمهوريّة الإسلاميّة” للعيش في منطقة مختلفة وظروف مختلفة. جعلتها هذه الظروف مضطرّة للتحدث المباشر إلى “الشيطان الأكبر” بعدما كانت تفتخر في الماضي القريب بأنّ المسؤولين الإيرانيين يتفادون مثل هذا النوع من اللقاءات العلنيّة مع الأميركيين.

في النهاية، كشفت المفاوضات المباشرة بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” و”الشيطان الأكبر” التي أجريت في إسلام أباد، بوساطة باكستانيّة، أنّ الأولوية لدى النظام هي لبقاء النظام. يأتي ذلك في وقت لا يزال المسؤولون في طهران يرفضون الاعتراف بأنّ القدرة على البقاء باتت محدودة وأن لا خيار أمامهم غير تنفيذ المطلوب منهم.

عاجلا أم آجلا سيفعل هؤلاء المسؤولون ذلك. سينفّذون المطلوب نظرا إلى أن لا خيارات أخرى أمامهم.

في الواقع، لا يزال “الحرس الثوري”، الذي فاوض الجانب الأميركي ممثلا بنائب الرئيس جي. دي. فانس، غير مقتنع بأنّ كلّ شيء تغيّر في المنطقة بدءا بأنّ إيران باتت تخوض حروبها على أراضيها وليس على أراضي الآخرين. هذا تغيّر كبير، بل جذري. لم تعد حروب إيران تدور في غزّة. كذلك، لا تدور في سوريا ولا في العراق ولا في لبنان ولا حتّى في اليمن حيث فضّل الحوثيون اعتماد سياسة، أقل ما يمكن أن توصف به بسياسة الحذر.

أوصلت إيران إلى إسلام آباد ومفاوضة “الشيطان الأكبر” خسارة كلّ الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة. بدأت تلك الحرب يوم السابع من تشرين الأوّل – أكتوبر 2023 عندما شنّت حركة “حماس” هجوم “طوفان الأقصى”. استهدف الهجوم المستوطنات الإسرائيليّة في منطقة غلاف غزّة. ستكشف الأيام إلى أي حد كان التورط الإيراني في هذا الهجوم الذي غيّر بالفعل الشرق الأوسط وما أبعد من الشرق الأوسط.

بغض النظر عن مدى التنسيق بين “الحرس الثوري” و”حماس” في شأن كل ما له علاقة بـ”طوفان الأقصى”، يظلّ أن إيران عملت كل ما تستطيع من أجل تأكيد أنّها القوة المهيمنة في المنطقة وأن مفتاح توسيع حرب غزّة أو ضبطها بات في يدها. كان هذا الاعتقاد بداية النهاية للنظام الإيراني الذي وصل في نهاية المطاف إلى مفاوضات مباشرة مع إدارة دونالد ترامب.

لا يدلّ إلى عيش النظام الإيراني في وهم ما بعد حرب غزّة أن الأوراق التي كان يمتلكها لم تعد أوراقا. خسر لبنان الذي رفض أن يكون ورقة إيرانيّة في مفاوضات إسلام أباد. إنّ مجرّد قبول لبنان الرسمي الدخول في مفاوضات مباشرة مع إسرائيل يعني أن البلد يرفض أن يكون تحت الوصاية الإيرانيّة. قبل ذلك، خسرت إيران سوريا، في ضوء سقوط النظام العلوي الذي كان على رأسه بشّار الأسد وفرار الأخير في الثامن من كانون الأوّل – ديسمبر.

تغيّر لبنان وتغيّرت سوريا. ترفض “الجمهوريّة الإسلاميّة” الاعتراف بذلك. مثلما ترفض الاعتراف بأن العراق، الذي لا تزال تسيطر عليه عبر ميليشيات “الحشد الشعبي”، تغيّر أيضا. يؤكد حصول التغيير أنّ نوري المالكي لم يعد قادرا على أن يكون رئيسا للوزراء بمجرّد وضع دونالد ترامب فيتو عليه.

يحتاج نظام “الحرس الثوري” في إيران إلى مزيد من الوقت لاستيعاب أن مضيق هرمز ليس ورقة وأنّ ابتزاز العالم عن طريق تقييد الملاحة في المضيق سيرتدّ على إيران عاجلا أم آجلا. ليس مضيق هرمز ورقة جديدة، بل ورقة قديمة أعادت “الجمهوريّة الإسلاميّة” رفعها في وجه العالم وليس في وجه الولايات المتحدة. في آخر المطاف، تستطيع أميركا، بفضل ما تملكه من نفط وغاز، الاستغناء عن مضيق هرمز…

تبقى المفارقة في أنّ مفاوضات إسلام أباد أجريت فيما القنابل تنهمر على لبنان، خصوصا على مواقع في الجنوب، وقبل ذلك في بيروت. تابع الجيش الإسرائيلي تقدّمه داخل الأراضي اللبنانيّة. لم يكن من تأثير لكلّ الكلام الإيراني عن مقاطعة جلسات المفاوضات مع الأميركيين من دون وقف للنار في لبنان. كان ذلك مجرّد كلام لم ينطل سوى على “حزب الله”.

المهمّ أنّ يستوعب الحزب أنّه فقد الكثير من قيمته في إيران. كان الحزب في مرحلة معيّنة درّة التاج في المشروع التوسّعي الإيراني. كانت لديه كلمته المسموعة في طهران. لم يعد مستقبل الحزب يهمّ إيران، خصوصا أن الحزب صار تحت الإمرة المباشرة لـ”الحرس”. باتت هموم “الجمهوريّة الإسلاميّة” في مكان آخر. السؤال الذي يفرض نفسه في المرحلة المقبلة، عادت المفاوضات الإيرانيّة – الأميركيّة أم لم تعد، متعلّق بمستقبل النظام. السؤال هل هو نظام قابل للحياة نعم أم لا؟ هل لا يزال في الإمكان إعادة تأهيل النظام من دون تخليه عن الأذرع التي كان ولا يزال يدعمها بدءا بـ”حزب الله” في لبنان والميليشيات المذهبية العراقية والحوثيين في اليمن؟

بلغ النظام الإيراني الـ47 من العمر. استثمر في كلّ شيء باستثناء رفاه الشعب الإيراني. فشل في كلّ استثماراته بدليل ما تعاني منه إيران نفسها… وما يعاني منه لبنان وما عانت منه سوريا وما لا يزال منه العراق. ألم يحن الوقت للاعتراف بالفشل، خصوصا إذا أخذنا في الاعتبار أنّ أزمة الثقة لم تعد بين الولايات المتحدة وإيران، بل بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” ومحيطها العربي، خصوصا دول مجلس التعاون الست!