عرب وعالم

الجمعة - 03 أبريل 2026 - الساعة 06:15 م بتوقيت اليمن ،،،

محمد الصالحين الهوني


زيارة الشيخ تميم إلى أبوظبي تكشف أن الخليج يقرأ التوترات المتصاعدة بوعي جديد. اللقاء بين الشيخ محمد بن زايد والشيخ تميم بن حمد يرمز إلى إدراك مشترك بأن المرحلة المقبلة لا تحتمل التباعد، وأن التنسيق بين العواصم الخليجية أصبح شرطا لحماية الاستقرار مع تغير خرائط القوة.

الأهمية لا تكمن في تفاصيل الزيارة وحدها، بل في دلالاتها: الخليج يعلن أنه يريد أن يكون فاعلا لا متلقيا، وأنه يملك القدرة على صياغة معادلاته بعيداً عن ضغوط الخارج.

التوقيت، قبل خطاب ترامب بساعات، أضاف بعداً آخر: المنطقة تضع أجندتها بنفسها، وتؤكد أن الحوار بين الأشقاء هو الرد الأجدى على أزمات الطاقة والممرات البحرية.

منذ اندلاع الحملة العسكرية الأميركية – الإسرائيلية ضد إيران، دخلت منطقة الخليج مرحلة جديدة من عدم الاستقرار. الضربات الانتقامية التي استهدفت البنية التحتية المدنية والاستراتيجية في دولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر وبعض الدول المجاورة، وضعت الأمن الإقليمي أمام اختبار غير مسبوق.

وفي هذا السياق، جاءت القمة لتؤكد أن حماية السيادة والسلامة الإقليمية لم تعد خيارا سياسيا قابلا للتأجيل، بل أصبحت ضرورة استراتيجية ملحة. لقد شدد القادة خلال اللقاء على إدانة هذه الهجمات بأشد العبارات، وأكدوا التزامهم الكامل بالدفاع عن شعوبهم ومقدراتهم الوطنية.

الرسالة التي خرجت من أبوظبي كانت واضحة وصريحة: دول الخليج لن تقف مكتوفة الأيدي أمام أي محاولات لزعزعة استقرارها أو تهديد أمنها. كما أن هذه الرسالة موجهة إلى المجتمع الدولي بأسره، مفادها أن أمن الخليج لم يعد شأنا إقليميا محصورا، بل أصبح جزءا لا يتجزأ من أمن العالم واستقراره.

لا يمكن النظر إلى أمن الخليج بمعزل عن اقتصاده؛ فمضيق هرمز ليس مجرد ممر بحري، بل شريان يختبر قدرة المنطقة على حماية مصالحها ومصالح العالم. أي تهديد له يفضح هشاشة النظام الدولي ويضع الخليج أمام مسؤولية مضاعفة: أن أمن الطاقة هو أمن قومي، وأن الدفاع عن الموانئ وخطوط الملاحة ليس شأنا محليا بل مساهمة في استقرار الاقتصاد العالمي.

القمة الإماراتية – القطرية أدركت هذه الحقيقة وأعطتها الأولوية، لتؤكد أن حماية البنية التحتية الاقتصادية هي اليوم جوهر مفهوم الأمن. فالهجوم على منشآت النفط أو الموانئ لا يستهدف دولة بعينها، بل يضرب النظام الدولي بأسره. ومن هنا يصبح التعاون الخليجي في حماية هذه المنشآت والممرات إعلانا سياسيا بقدر ما هو إجراء دفاعي، ورسالة بأن الخليج يريد أن يكون شريكا أساسيا في صياغة معادلة الاستقرار العالمي.

يدرك القادة الخليجيون أن الأمن والاقتصاد لم يعودا مسارين منفصلين، بل أصبحا متداخلين بشكل كامل وعميق. فالتوترات العسكرية تؤدي إلى ارتفاع أسعار الطاقة، وارتفاع الأسعار يفرض على البنوك المركزية سياسات نقدية أكثر صرامة، وهذه السياسات بدورها تؤثر سلباً على الاستثمارات والتجارة والنمو الاقتصادي. لذلك، يعتبر القادة أن ضمان استمرار تدفق الطاقة بأمان جزء أساسي من معركة الأمن القومي. وقد جسدت القمة الإماراتية – القطرية هذا الإدراك الاستراتيجي بوضوح، حيث ناقش القادة سبل تعزيز التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، بما يضمن حماية المواطنين من جهة، وحماية المصالح الاقتصادية الإقليمية والدولية من جهة أخرى.

لم يقتصر الاهتمام بهذه القمة على الدائرة الخليجية، بل امتد إلى القوى الكبرى. فقد أجرى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين اتصالا هاتفيا مع الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لمناقشة التطورات المتسارعة في الشرق الأوسط. وأعلن الكرملين أن الزعيمين أعربا عن قلق بالغ إزاء الوضع الراهن، وأكدا على ضرورة إنهاء الأعمال العدائية في أقرب وقت ممكن. ويؤكد دخول روسيا على خط الأزمة أن القوى الكبرى تدرك جيدا أن استقرار منطقة الخليج أصبح شرطا أساسيا لاستقرار الاقتصاد العالمي.

تأتي زيارة الشيخ تميم إلى أبوظبي بعد لقائه مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان وملك الأردن عبد الله الثاني في جدة. هذا التسلسل السريع في اللقاءات رفيعة المستوى يعكس تنسيقا خليجيا –عربيا متصاعدا لمواجهة التهديدات الإيرانية. ويرى المحللون أن هذه اللقاءات تشير إلى استراتيجية خليجية منسقة تهدف إلى ردع أي عدوان إيراني محتمل، وتعزيز أطر التعاون داخل مجلس التعاون لدول الخليج العربية.

التصعيد المستمر يهدد بتحويل المنطقة إلى ساحة مفتوحة للصراعات الممتدة ويضر بالاقتصاد العالمي ويزيد من معاناة الشعوب. لذا، تعكس القمة الإماراتية – القطرية، سعيا جادا لتحقيق توازن دقيق بين الردع العسكري والدبلوماسية الفعالة، وبين حماية الأمن وحماية الاقتصاد. إنها محاولة لصياغة معادلة جديدة: لا حرب بلا نهاية، ولا سلام بلا ضمانات، ولا اقتصاد مزدهرا بلا أمن مستدام.

وهنا يبرز البعد الأميركي بوضوح. إذ جاء خطاب الرئيس ترامب الأخير ليترك النهايات مفتوحة، ويثير جدلا واسعا حول مدى التزام واشنطن بحماية الخليج في المرحلة المقبلة. تحدث ترامب عن “اقتراب نهاية المهمة”، لكنه لم يقدم أي خطة واضحة للخروج من الأزمة، ولم يرسم استراتيجية متماسكة لاحتواء التصعيد. هذا الغموض أربك الأسواق المالية، وأربك الحلفاء، وأربك الرأي العام الأميركي نفسه. بالنسبة لدول الخليج، شكّل الخطاب إشارة واضحة إلى أن الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية لم يعد مضمونا.

يمكن النظر إلى القمة باعتبارها إعلانا غير مباشر بأن دول الخليج قرأت خطاب ترامب مسبقا، وأظهرت استعدادها لملء أي فراغ استراتيجي محتمل. الرسالة التي خرجت من أبوظبي كانت مزدوجة: إلى الداخل بأن الوحدة والتنسيق باتا ضرورة وجودية، وإلى الخارج بأن الخليج لم يعد مجرد متلقٍ للقرارات، بل أصبح طرفا فاعلا يسعى لصياغة معادلة الأمن والاقتصاد العالميين بنفسه.

فالأمن والاقتصاد في الخليج وجهان لعملة واحدة، ومستقبل الأمن العالمي قد يُحسم بدرجة كبيرة في ممراته البحرية حيث تتقاطع مصالح الطاقة والتجارة والسياسة.

والسؤال المطروح أمام المجتمع الدولي هو ما إذا كانت هذه الاستراتيجية الخليجية الجديدة قادرة على تحقيق التوازن بين الردع العسكري وحماية الاقتصاد العالمي، أم أن المنطقة ستظل رهينة لتصعيد متكرر لا ينتهي.

القمة الإماراتية – القطرية لم تكن مجرد لقاء ثنائي، بل خطوة سياسية تؤكد أن الخليج تجاوز حدود دوره الإقليمي ليصبح قلب المعادلة العالمية، حيث يتقاطع الأمن والاقتصاد في لحظة واحدة.

وفي ظل خطاب أميركي يترك النهايات مفتوحة، يعلن الخليج أنه يخطو بثقة ليكون الفاعل الجديد في صياغة معادلة الأمن والاستقرار الدوليين، لا مجرد متلقٍ لها.


رئيس تحرير صحيفة العرب