أخبار وتقارير

الإثنين - 23 فبراير 2026 - الساعة 12:29 ص بتوقيت اليمن ،،،

خالد حسين المظفري


من المؤسف أن يتحول الخطاب العام في القضايا الوطنية الحساسة إلى ساحة لتصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الخصومات القديمة بثوب جديد، وأن يُستبدل النقاش الرصين بالتلميح، والحجة بالظن، والتقييم الموضوعي بإثارة الريبة.

ومن يقرأ منشور علي البخيتي يدرك أن المسألة لم تعد نقاشًا جادًا حول كفاءة أو ملاءمة شخص لمنصب، بقدر ما هي محاولة لإعادة تدوير سرديات قديمة وتوظيفها سياسيًا في لحظة دقيقة تمر بها البلاد، لحظة يفترض فيها أن تتقدم لغة التهدئة على لغة التحريض، وأن يتغلب منطق الجمع على خطاب التشكيك.

ومن حق الرأي العام أن يتساءل: بأي معيار تُوزَّع صكوك الوطنية أو تُلصق التهم؟ ومن يملك أهلية الحديث عن “الشبهات” وهو ذاته كان جزءًا أصيلًا من مشروع أضرّ بالدولة والمجتمع وأدخل اليمن في دوامة العنف والانقسام؟ علي البخيتي لم يكن يومًا مجرد متابع من بعيد، بل كان في مرحلة من المراحل أحد أبرز الأصوات التي دافعت عن مليشيات الحوثي وروّجت لخطابها وحشدت لها عسكريًا وسياسيًا وإعلاميًا، في الوقت الذي كانت فيه تلك المليشيات تنقلب على الدولة وتزج باليمن في أتون حرب مدمرة.

هذه حقيقة يعرفها القاصي والداني، ولا يمكن القفز عليها عند تقييم مصداقية الطرح الذي يقدمه اليوم. فمحو الذاكرة الجمعية أو التنصل من المسؤولية الأخلاقية عن مرحلة سابقة لا يصنع موضوعية، ولا يمنح صاحبه حق احتكار الاتهام أو ادعاء الوصاية على الوطنية.

أما ما يخص الشيخ الدكتور عبدالوهاب الحميقاني ، فإن الحديث ينبغي أن يكون قائمًا على الوقائع لا على الإيحاءات، وعلى الحقائق لا على إعادة إنتاج الاتهامات. الرجل شخصية قبلية واجتماعية معروفة، ينتمي إلى قبيلة يمنية أصيلة، ويُعد من مراغة آل حميقان، وله حضور دعوي وسياسي ممتد، وهو من المشايخ السلفيين الذين عُرفوا بمواقفهم المعلنة في مواجهة مشروع الحوثي، كما أنه من السياسيين الذين شاركوا في العمل العام ضمن إطار وطني واضح.

وقد ثبت أن ما أُلصق به من تهم كان نتيجة تقارير كيدية وظروف ملتبسة في سياق صراع معقد، وتمت تبرئته من تهمة الإرهاب، وهو ما يعكس أن المسألة لم تكن حقائق دامغة بقدر ما كانت ادعاءات في بيئة سياسية مضطربة، استُخدمت فيها الملفات كسلاح سياسي أكثر من كونها مسارًا قضائيًا منصفًا.

ومن الظلم أن يُختزل تاريخ الأشخاص في شبهة عابرة أو اتهام لم يثبت، بينما يُتغافل عن مساراتهم ومواقفهم المعلنة وتضحياتهم المعروفة. كما أن من غير المنصف أن يُقدَّم خطاب التخوين وكأنه حرص على المصلحة العامة، في حين أن الأولى في مثل هذه الظروف هو تغليب منطق التوافق، ودعم أي مسار يسهم في استعادة الدولة وإنهاء الانقسام.

فإذا كان هناك اعتراض على تعيين أو ترشيح، فليكن مبنيًا على معايير الكفاءة والقدرة والإجماع المحلي، لا على إعادة تدوير ملفات أُغلقت أو تضخيم روايات تخدم سرديات سياسية بعينها.

إن المرحلة التي يعيشها اليمن تتطلب خطابًا مسؤولًا يبتعد عن الشخصنة والمزايدات الفكرية، ويبتعد كذلك عن استغلال التحولات الشخصية في تصفية الحسابات.

والذي يطعن اليوم في الشيخ الحميقاني هو شخص اختار لنفسه مسارًا فكريًا خاصًا، ويدعو إلى الإلحاد الذي يخالف هوية المجتمع اليمني وقيمه العامة، بعد أن كان جزءًا من مشروع شيعي-سياسي مسلح. ومن حقه أن يعتنق ما يشاء، لكن ليس من حقه أن يوظف ذلك في الطعن بثوابت المجتمع أو في تصنيف الآخرين أيديولوجيًا، أو أن يجعل من خطابه أداة تشكيك في كل من يخالفه.

فاليمن بلد متعدد، يجمع قبائل وعلماء وسياسيين، ولا يمكن إدارته بخطاب إقصائي من أي طرف كان.

وفيما يتعلق بالمرشح لمنصب محافظة البيضاء، الشيخ سليمان الحميقاني، فإن الإنصاف يقتضي القول إنه يُعد من أنبل رجال المحافظة، وصاحب صفحة بيضاء مشهودة بين أبناء منطقته، ومن المناضلين الأحرار الذين عُرفوا بمواقفهم الوطنية وسعيهم الدائم إلى لمّ الشمل وخدمة المجتمع. لم يُعرف عنه إلا السعي للإصلاح، ولا ارتبط اسمه إلا بخدمة أبناء محافظته والدفاع عن كرامتهم وحقوقهم. ومن الظلم أن يُقحم اسمه في سجالات تُراد بها تصفية حسابات أوسع من شخصه.

والواضح أن الهدف من منشور البخيتي لا يقف عند حدود استهداف الشيخ سليمان بعينه، بل يتجاوز ذلك إلى محاولة النيل من آل حميقان خاصة، ومن أبناء محافظة البيضاء عامة، عبر إثارة الشبهات وتعميم الاتهام. وهذا مسار خطير، لأنه لا يطعن في فرد فحسب، بل يمس نسيجًا اجتماعيًا وقبليًا كاملاً، ويغذي حساسيات لا يحتاجها اليمن في هذه المرحلة.

إن المنطق يقتضي الاعتراف بأن كثيرًا من الشخصيات الوطنية تعرضت خلال سنوات الحرب لحملات تشويه وتقارير كيدية وتوظيف سياسي للملفات، وبعضها ثبت بطلانه لاحقًا. والعدل يقتضي أيضًا أن يُقاس الجميع بالمعيار نفسه، لا أن يُغض الطرف عن ماضٍ ثقيل لطرف، ويُستحضر الظن في حق طرف آخر رغم انتفاء الدليل.

ففي نهاية المطاف، ما تحتاجه اليمن هو رجال دولة يجمعون ولا يفرقون، ويبنون ولا يهدمون، ويقدّمون مصلحة الوطن على حسابات الأفراد.

وأي نقاش حول المناصب أو الترشيحات يجب أن يكون في هذا الإطار، لا في إطار تصفية الحسابات أو إعادة إنتاج الاستقطاب الذي دفع اليمن ثمنه غاليًا.