عرب وعالم

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 02:13 ص بتوقيت اليمن ،،،

خيرالله خيرالله


ليس إخراج إيران من العراق سوى إخراج للنظام من إيران نفسها. لم يتخذ الرئيس دونالد ترامب موقفا مترددا عندما اعتبر أن سقوط النظام الإيراني “افضل ما يمكن أن يحدث”. من هذا المنطلق، يمكن فهم تكرار الرئيس الأميركي رفض عودة نوري المالكي إلى موقع رئيس الوزراء في العراق. يوجد إصرار لدى الإدارة الأميركية على العودة إلى هذا البلد، خصوصا أنّها دفعت غاليا ثمن إسقاط نظام صدّام حسين البعثي – العائلي في العام 2003. دفعت دما ودفعت مئات مليارات الدولارات من أجل خروج إيران منتصرا وحيدا في حرب ليس معروفا إلى يومنا هذا ما الذي دفع إدارة جورج بوش الابن إليها.

ليست عودة الرئيس الأميركي إلى تناول الموضوع المتعلّق بنوري المالكي مجرّد صدفة في ظل الظروف القائمة، وهي ظروف تشهد تصعيدا خطيرا بين “الجمهوريّة الإسلاميّة” من جهة وكل من الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى. إنّه تصعيد للتصعيد بعد نقل أميركا وإسرائيل الحرب إلى داخل الأراضي الإيرانيّة في حزيران – يونيو الماضي.

في داخل رأس ترامب مجموعة حسابات دقيقة، بينها حساب يتعلّق بالعراق الذي بات في الحضن الإيراني. سلّم الأميركيون، إدارة جورج بوش الابن تحديدا، العراق على صحن من فضة لإيران. يبدو أن ذلك لا يزال عالقا في ذهن دونالد ترامب الذي أخذ على عاتقه وضع حدّ للهيمنة الإيرانيّة على المنطقة انطلاقا من العراق.

يدرك الرئيس الأميركي أنّ إيران كانت المنتصر الوحيد من الحرب الأميركيّة على العراق التي توجت بالقضاء على النظام البعثي – العائلي. في النهاية، جاءت أميركا بالميليشيات الشيعية العراقية التابعة لـ”الحرس الثوري” الإيراني وسلمتها الحكم في بغداد. سارعت هذه الميليشيات إلى الانقلاب على “المحتلّ” الأميركي وباتت تعمل لمصلحة إيران. أخطأت إدارة بوش الابن في كلّ ما قامت به في العراق، خصوصا بعدما تبيّن أنّها لا تمتلك خطة واضحة المرحلة ما بعد سقوط صدآم حسين.

إلى ذلك، يدرك ترامب أنّ الانطلاقة الجديدة للمشروع التوسّعي الإيراني في المنطقة انطلق من العراق. مع سقوط بغداد في نيسان – ابريل 2003، تغيّرت موازين القوى في المنطقة. كذلك، مع سقوط العراق، سقطت سوريا كلّيا في يد إيران وسقط لبنان حيث اغتالت “الجمهوريّة الإسلاميّة” رفيق الحريري قبل 21 عاما بعدما وجدت أنّه يقف عائقا في وجه التمدد الإيراني الذي يقوم أصلا على الاستثمار في الغرائز المذهبية وعلى حلول الميليشيات التابعة لـ”الحرس الثوري” مكان مؤسسات الدولة في هذا البلد العربي أو ذاك.

كان الملك عبدالله الثاني تحدث عن خطورة تسليم العراق إلى إيران، منذ ما قبل اغتيال رفيق الحريري في شباط – فبراير 2005. تحدث في تشرين الأوّل – أكتوبر 2004 عن “الهلال الشيعي” بمعناه السياسي، كهلال فارسي، يمتد من طهران إلى بيروت مرورا ببغداد ودمشق. جاء كلام العاهل الأردني في حديث مع صحيفة “واشنطن بوست” الأميركية. كشف الحديث بعد نظر عبدالله الثاني ونظرته الثاقبة للنتائج التي ستترتب على استيلاء إيران على العراق.

مذ دخل البيت الأبيض في كانون الثاني – يناير 2016، ركّز ترامب على الخطر الإيراني. مزق الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني، الذي عملت إدارة باراك أوباما من أجل الوصول إليه في 2015. كان ذلك في أيار – مايو 2018. في الأيام الأولى من العام 2020 تخلّصت الولايات المتحدة من قاسم سليماني قائد “فيلق القدس”، رأس حربة المشروع التوسعي الإيراني. كان ذلك بعيد مغادرة سليماني مطار بغداد الذي وصل إليه آتيا من بيروت، ولكن عن طريق مطار دمشق الذي كان مطارا آمنا بالنسبة إلى “الجمهوريّة الإسلاميّة”. يعتبر التخلص من قاسم سليماني حدا مفصليا على الصعيد الإقليمي. لا يدلّ على ذلك أكثر من المظهر الذي ظهر فيه حسن نصرالله، الأمين العام الراحل لـ”حزب الله” لدى حديثه عن شخصية سليماني وطبيعة العلاقة التي كانت تربطه به على كل صعيد، بما في ذلك التنسيق بين إيران والحزب في لبنان وسوريا والعراق واليمن… وفي غير دولة خليجية.

عاد ترامب إلى البيت الأبيض قبل سنة وشهر تقريبا. عاد في ظروف جديدة ضعفت فيها إيران وبات مشروعها التوسّعي في خبر كان بعدما خسرت “الجمهوريّة الإسلاميّة” كلّ الحروب التي خاضتها على هامش حرب غزّة. خرجت إيران من سوريا إلى غير رجعة. أمّا “حزب الله” في لبنان، فلا يزال يرفض قبول فكرة أنّه انتهى عمليا. لا يستطيع الحزب، إلى يومنا هذا، استيعاب أنّ سوريا لم تعد “ساحة” إيرانيّة… وأن “الهلال الشيعي” لم يعد موجودا.

ذهب ترامب إلى فنزويلا كي يقطع العلاقة بينها وبين إيران و”حزب الله”. خطف رئيس الدولة نيكولاس مادورو من كراكاس واقتاده إلى نيويورك كي تعود فنزويلا، بثرواتها النفطية، جرما يدور في الفلك الأميركي…

من هذا المنطلق، يبدو أكثر من طبيعي متابعة الحملة على إيران انطلاقا من العراق الذي لم يعد مسموحا بقاؤه ملعبا لـ”الحرس الثوري” على غرار ما كان عليه لبنان وسوريا قبل اغتيال إسرائيل لحسن نصرالله في الضاحية الجنوبيّة لبيروت وقبل فرار بشّار الأسد إلى موسكو.

ليس مهمّا الدخول في متاهات تتعلّق بشخصية نوري المالكي ومحاولة معرفة درجة نفوذ إيران عليه. بالنسبة إلى ترامب، المهمّ خروج إيران من العراق. من غير الطبيعي بقاء أميركا في الفخّ الإيراني. في النهاية، يحكم العراق منذ 2003 اشخاص عادوا إلى بغداد على ظهر دبابة أميركيّة. يرفض دونالد ترامب هذا النكران للجميل الذي قوبلت به الحرب الأميركيّة على العراق قبل 23 عاما.

الآن، بعدما وضعت إدارة ترامب إيران بين خياري الاستسلام أو التعرّض لهجوم واسع من البحر والجو، يبدو منطقيا سعي ترامب إلى استعادة العراق في حال كان مطلوبا الانتهاء حقاً من المشروع التوسعي الإيراني…