منوعات

الخميس - 19 فبراير 2026 - الساعة 02:08 ص بتوقيت اليمن ،،،

إلياس حموي


بعد سقوط نظام بشار الأسد في سوريا في الثامن من ديسمبر عام 2024 تحررت سوريا من كل أنواع القمع وتقييد الحريات السياسية والاجتماعية والفنية التي كانت تفرضها سلطات النظام السوري المتمثلة في أجهزة المخابرات وفروعها التي كانت تمتد على طول البلاد وعرضها وتفرض قيودا على الحياة السياسية وتقمع أي صوت يعلو في وجه السلطة.

كان الفن مقيدا أيضا وإن سمح له في بعض الأحيان بتمرير بعض الأفكار المعارضة لنظام البعث لكنها تبقى تحت وصايته وبموافقته، فمثلا مسلسل “الولادة من الخاصرة” الذي تناول قصة ضابط أمن وعالم أجهزة المخابرات ظهرت أجزاؤه الأولى أثناء حكم النظام السابق، أما الأعمال التي تناولت الثورة السورية والحرب التي استمرت أربعة عشر عاما فكانت تكتب بحسب سردية النظام وإعلامه باستثناء أعمال قليلة تحدثت عن معتقلين سياسيين كمسلسل “قلم حمرة” للمخرج الراحل حاتم علي والكاتبة يم مشهدي، ورغم ذلك فقد صور في لبنان خوفا من أن تمنعه سلطات النظام.

أما العمل الثاني الذي تناول قصة معتقلة سياسية في أحد خطوطه فكان مسلسل “مال القبان” للكاتب علي وجيه والممثل يامن حجلي وإخراج سيف سبيعي حيث أدت فيه الفنانة سلاف فواخرجي قصة طبيبة معتقلة لعملها مع إحدى التنسيقيات في بداية الثورة، على الرغم من أنها زوجة قاض في النظام، حيث تبقى معتقلة لسنوات وحين تخرج تجد نفسها مجردة من كل حقوقها كمواطنة ومرفوضة من الجميع باستثناء أستاذها في الجامعة. عرض العمل عام 2024 وكانت قصته جريئة تقدم للمرة الأولى داخل مناطق سيطرة النظام.

المسلسل الوحيد الذي تحدث عن النظام السياسي السابق وماهيته كان مسلسل “ابتسم أيها الجنرال” لكنه صور خارج سوريا أيضا وتحديدا في تركيا.

وبعد سقوط النظام وزواله تغيرت أفكار السوريين وخصوصا الكتاب الذين كانوا يفرضون على أفكارهم رقابة ذاتية قبل الكتابة خوفا من بطش النظام، أصبح هامش الحرية لديهم كبير ولديهم الكثير من القصص لتروى عن فظائع هذا النظام وما فعله بالسوريين خلال أربعة عشر عاما من اعتقال وتعذيب وقتل وتهجير، يمكن القول إن السوريين لا تكفيهم أربعة عشر عاما أخرى للتحدث عن انتهاكاته وتناولها فنيا لشدة فظاعتها على الرغم من تناولها أدبيا من كتاب يعيشون خارج سوريا، كالروائي فواز حداد في روايته “السوريون الأعداء” التي صدرت عام 2014 عن دار “رياض الريس” في لبنان والتي سلط فيها الضوء على تركيبة النظام السياسي وآلية عمله مشرحا عقلية المنتمين إليه، لذلك أول نضوج لثمار سقوط نظام البعث كان تحويل هذه الرواية إلى مسلسل تلفزيوني يعرض هذا العام من إخراج الليث حجو وتأليف نجيب نصير ورافي وهبة.

تتحدث رواية “السوريون الأعداء” عن مرحلة حرجة في تاريخ سوريا، حيث تدور أحداثها أيام مجزرة حماة في الثمانينات وصولا إلى الثورة السورية عام 2011، وتتطرق إلى ثلاثة أجيال من عائلة واحدة تعرضت لإجرام هذا النظام أثناء اقتحام مدينة حماة في الثمانينات، حيث تروي قصة الطبيب عدنان الراجي الذي قتله الضابط سليمان هو وزوجته وأطفاله بدم بارد وأرسله إلى الإعدام الميداني ولم ينج من العائلة سوى ابنه الرضيع الذي انتشلته الجارة من أيدي أمه القتيلة ليربى في كنف عمه القاضي سليم الراجي. أما الطبيب عدنان فينجو من الإعدام الميداني بأعجوبة لكنه يرسل إلى سجن تدمر سيء الصيت ليمكث فيه لسنوات طويلة قبل أن يخرج منه متحولا إلى شخص آخر جراء التعذيب الممنهج الذي تعرض له هو وباقي السجناء. والمسلسل من بطولة سلوم حداد وبسام كوسا ويارا صبري وهيما إسماعيل.

أما العمل الثاني الذي يتناول حقبة إجرامية من تاريخ هذا النظام فهو مسلسل “الخروج إلى البئر”، تأليف سامر رضوان وإخراج الأردني محمد لطفي، وهو من بطولة جمال سليمان وواحة الراهب وآخرين. يتحدث العمل عن قصة العصيان الشهير لسجناء صيدنايا سيء الصيت وأسوأ معتقلات العالم عام 2008 وكيف جابه النظام هذا العصيان وتعامل معه، مصورا الظروف غير الإنسانية داخل زنازين هذا السجن. والعمل من إنتاج شركة ميتافورا أيضا منتجة مسلسل “السوريون الأعداء”.

أما العمل الثالث الذي يتناول معتقلات النظام فهو “القيصر – لا مكان لا زمان” عبر عشر ثلاثيات تتناول قصص معتقلين في سجون هذا النظام. والعمل من تأليف عدة كتاب كعدنان العودة ونجيب نصير ومؤيد النابلسي وآخرين، وإخراج صفوان مصطفى نعمو، وتغني شارته المطربة السورية أصالة نصري.

هناك عملان آخران يتطرقان إلى فساد أجهزة هذا النظام في مواضيعهما وهما “سعادة المجنون”، تأليف علاء مهنا وإخراج سيف سبيعي وبطولة عابد فهد وسلافة معمار وباسم ياخور، ومسلسل “عائلة الملك”، تأليف ورشة من الكتاب وإخراج محمد عبدالعزيز.

هكذا يكون المشاهد السوري خصوصا والعربي عموما أمام دراما حقيقية لأول مرة في التاريخ السوري منذ ستين عاما تروى بلسان شعب ضاق كل أنواع الاضطهاد والقمع على يد واحد من أقذر الأنظمة العربية التي عرفتها البشرية.

العرب