أخبار اليمن

الأربعاء - 28 يناير 2026 - الساعة 11:27 ص بتوقيت اليمن ،،،

وكالات


أعاد قرار مجلس الأمن الدولي إنهاء مهمة بعثة الأمم المتحدة لدعم اتفاق وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية اليمنية طرح أسئلة جوهرية حول مستقبل المسار الأممي في اليمن، وحدود فعالية أدوات الأمم المتحدة في إدارة نزاعات مزمنة ومعقدة، في ظل تدهور بيئة العمل الميداني وتصاعد الانتهاكات بحق العاملين الدوليين.

ولا يقتصر القرار، الذي حظي بتأييد 13 عضوا من أصل 15 وامتناع روسيا والصين عن التصويت، على إنهاء بعثة تقنية محدودة الصلاحيات، بل يعكس تحولا أوسع في مقاربة المجتمع الدولي لملف الحديدة، التي شكلت لسنوات إحدى أكثر بؤر الصراع حساسية في البلاد، سياسيا وإنسانيا.

وأنشئت بعثة “أونمها” عام 2019 للإشراف على تنفيذ اتفاق الحديدة، الذي جاء بدوره كجزء من مخرجات مشاورات ستوكهولم، وهدف بالأساس إلى تثبيت وقف إطلاق النار في المدينة الساحلية الاستراتيجية، ومنع انزلاقها إلى مواجهة شاملة كانت ستفاقم الكارثة الإنسانية في بلد يعاني أصلا من هشاشة اقتصادية ومؤسساتية حادة.

وفي ذلك الوقت، كان المجتمع الدولي ينظر إلى الحديدة باعتبارها “خطا أحمر”، إذ إن أي معركة واسعة فيها كانت ستعطل الميناء الذي يمر عبره الجزء الأكبر من واردات الغذاء والوقود، ما كان سيضع ملايين اليمنيين أمام خطر المجاعة المباشرة.

وعلى مدى سنوات، لعبت البعثة دورا رقابيا ورمزيا في آن واحد. فوجودها، رغم محدودية صلاحياته، ساهم في الحد من التصعيد العسكري المباشر، ووفّر قناة تواصل بين أطراف النزاع، حتى وإن عجز عن تحقيق اختراقات سياسية أو أمنية جوهرية، مثل تنفيذ إعادة الانتشار الكامل أو توحيد إدارة الموانئ.

وقد عكس هذا العجز هشاشة الاتفاق نفسه، الذي افتقر منذ البداية إلى آليات إلزام واضحة، واعتمد بدرجة كبيرة على قبول أطراف الصراع واستعدادهم للتعاون. غير أن السياق الذي وُلدت فيه البعثة تغيّر جذريا مع مرور الوقت.

وبحسب الموقف الأميركي، فإن تعنت جماعة الحوثي أفقد المهمة مضمونها العملي، وهو ما عبّرت عنه نائبة السفير الأميركي لدى الأمم المتحدة تامي بروس بقولها إن استمرار البعثة لم يعد مجديا.

ويعكس هذا التوصيف تحولا في التقييم الدولي لسلوك الحوثيين، لا سيما في ظل استمرار سيطرتهم على مدينة الحديدة وموانئها، واحتجازهم المتكرر لموظفي الأمم المتحدة منذ عام 2021، وهي ممارسات قوضت قدرة المنظمة على العمل كوسيط محايد أو جهة مراقبة فاعلة، وأثارت تساؤلات جدية حول سلامة العاملين الدوليين.

وفي المقابل، ترى أطراف أخرى داخل مجلس الأمن أن إنهاء مهمة “أونمها” لا يعكس فشلها بقدر ما يعكس تقلص المساحة المتاحة أمام العمل الأممي في بيئة باتت أكثر عدائية.

وشددت الممثلة الدنماركية على أن البعثة شكلت “قوة استقرار حيوية” على مدى ست سنوات، وساهمت في ردع عودة المواجهات الواسعة في الحديدة. غير أن هذا الدور، وفق القراءة الأممية نفسها، بات مهددا بفعل تطور ديناميكيات النزاع، وتزايد المخاطر الأمنية، وتحول موظفي الأمم المتحدة إلى أهداف للاعتقال والتضييق، ما جعل استمرار البعثة مخاطرة سياسية وأمنية غير مبررة.

ولا يمكن فصل قرار إنهاء المهمة عن الصورة الأوسع للصراع اليمني، حيث لا تزال البلاد تعيش حالة انقسام حاد بين حكومة معترف بها دوليا، تضم أطرافا متعددة تجمعها معارضتها للحوثيين، وجماعة تسيطر على صنعاء ومعظم شمال البلاد منذ عام 2014، وتحظى بدعم إيراني.

ومنذ اندلاع الحرب عام 2015، التي تخوضها الحكومة بدعم من تحالف تقوده السعودية، قُتل مئات الآلاف، وتعرضت البنية التحتية للدمار، فيما تحولت الأزمة اليمنية إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وعلى الرغم من تراجع حدة العمليات العسكرية الكبرى في بعض الجبهات خلال السنوات الأخيرة، فإن ذلك لم يتحول إلى سلام مستدام، بل أفرز حالة “نزاع منخفض الحدة”، تُستخدم فيها أدوات الضغط السياسي والأمني بديلا عن المواجهة الشاملة.

وفي هذا السياق، كانت بعثة الحديدة تمثل أحد آخر مظاهر الحضور الأممي الميداني، وإن كان حضورا محدود الفاعلية، ما يجعل إنهاءها مؤشرا على تراجع الرهان الدولي على إدارة الصراع من الميدان.

ويمثل إنهاء بعثة “أونمها” إقرارا ضمنيا بأن اتفاق الحديدة، الذي صُمم أصلا كترتيب مؤقت لبناء الثقة، لم يعد قادرا على أداء وظيفته في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لتنفيذه.

كما يعكس تراجعا في قدرة الأمم المتحدة على فرض آليات رقابة فعالة عندما تصبح أطراف النزاع غير متعاونة أو معادية بشكل مباشر للوجود الدولي، وهو ما يطرح تساؤلات أوسع حول مستقبل بعثات الدعم والمراقبة في نزاعات مشابهة.

وتكتسب خلفيات القرار بعدا إضافيا عند النظر إلى التحولات الدولية الأوسع. فمجلس الأمن بات أكثر حذرا في الإبقاء على بعثات تعمل في بيئات عالية المخاطر، في ظل تراجع الموارد، وتعدد الأزمات العالمية المنافسة على الاهتمام السياسي والمالي.

كما أن امتناع روسيا والصين عن التصويت يعكس تحفظات على إنهاء البعثة دون بدائل واضحة، خشية أن يؤدي ذلك إلى فراغ سياسي أو أمني يصعب احتواؤه لاحقا، ويقوض مبدأ الانخراط الدولي متعدد الأطراف.

وفي البعد الإنساني، يثير القرار مخاوف متزايدة من تداعيات محتملة على المدنيين، خصوصا في مدينة الحديدة التي تمثل شريانا حيويا لواردات الغذاء والمساعدات. فالأمم المتحدة تحذر أصلا من أن الأوضاع الإنسانية في اليمن مرشحة لمزيد من التدهور خلال عام 2026، مع انخفاض المساعدات الدولية وصعوبة وصول الغذاء إلى ملايين اليمنيين.

وفي ظل هذا الواقع، يُخشى أن يؤدي غياب البعثة إلى فراغ رقابي قد تستغله أطراف النزاع لتعزيز مواقعها العسكرية أو السياسية، بما يهدد الاستقرار الهش القائم.

كما يطرح القرار تساؤلات حول مستقبل الدور الأممي في اليمن عموما، وقدرة المنظمة على حماية موظفيها، والحفاظ على حضور ميداني فعال في نزاعات طويلة الأمد. فاحتجاز موظفي الأمم المتحدة منذ عام 2021 شكّل سابقة خطيرة، وأرسل رسالة مفادها أن الحصانة الدولية لم تعد كافية لضمان الأمن، ما قد ينعكس على استعداد الأمم المتحدة للانخراط ميدانيا في ملفات أخرى.

ولا يمثل إنهاء مهمة “أونمها” مجرد خطوة إدارية، بل يعكس تحولا أعمق في مقاربة مجلس الأمن للصراع اليمني، وانتقالا من محاولة إدارة النزاع ميدانيا إلى الاكتفاء بأدوات سياسية أقل حضورا وتأثيرا.

وبينما يرى مؤيدو القرار أن البعثة فقدت جدواها العملية، يحذر منتقدوه من أن غيابها قد يفتح الباب أمام مزيد من عدم اليقين في واحدة من أكثر المناطق هشاشة في اليمن.

وهكذا، يجد الملف اليمني نفسه مرة أخرى أمام معادلة معقدة: نزاع لم يُحسم، وأدوات دولية تتراجع، وأزمة إنسانية مرشحة لمزيد من التفاقم، في وقت تبدو فيه آفاق الحل الشامل أكثر ضبابية من أي وقت مضى.