كتابات وآراء


الثلاثاء - 02 يونيو 2026 - الساعة 12:43 م

كُتب بواسطة : د. عيدروس نصر - ارشيف الكاتب



للموت مهابته وللحزن المصاحب للموت وطأته وأوجاعه ومؤثراته التي تجعل الكل يترحم على الميت حتى لو كان مختلفاً معه أو خصمًا من خصومه السياسيين، لأن الموت يغيب الخصومات ويطوي معه صفحات ما قبله بتعقيداتها وحساسياتها، إلَّا في اليمن فإن الغريب والأغرب يمكن أن يشهده كل من تابع وسائل التواصل الاجتماعي وبعض المواقع الإعلامية والصحف الورقية وما نشره ناشطوها السياسيون و(مثقفــوها) وإعلاميوها عقب انتشار نبأ وفاة الرئيس المرحوم عبد ربه منصور هادي.

فمن أعجب ما شهدته الساحة الإعلامية اليمنية تلك الحالة المهرجانية الفرائحية التي ترافقت مع حادثة الوفاة، حتى بدا وكأن هذه الوفاة قد مثلت للبعض مكسبًا سياسيًا ومناسبة فرائحية للاحتفاء والابتهاج.

وبرغم حالة الحزن الشديد التي عَمَّت البلاد وأبداها الكثير من القادة والسياسيين والمفكرين والمثقفين والإعلاميين ومن الشعب عامةً لحادثة وفاة الرئيس الفقيد عبد ربه منصور هادي عليه رحمة الله، فإن كتاباً وإعلاميين يمنيين كثُر لم يكتفوا بالتعبير عن الابتهاج والفرحة بوفاة الرجل الذي كان قد اعتزل منصبه الرئاسي -أو عُزِلَ منه - منذ نحو أربعِ سنوات، لا بل لقد ذهب الكثيرون للتشَفِّي والشماتة والتعبير عن السخرية والاستهزاء باسم الرئيس ومكانته ودوره، دونما اعتبار لمهابة اللحظة ووطأة الحزن، ناهيكم عن تقدير التضحيات التي قدمها الرجل من أجلهم ومن أجل بلادهم ومحاولته مساعدتهم على الانتقال من حالة اللادولة إلى مستوى الدولة المدنية (الحديثة)، فقد قال أحدهم إن "الإنجاز الوحيد الذي حققه الرئيس هادي هو الهروب"، وقال آخرٌ ان النجاح الوحيد للرئيس هادي تمثَّل في "تدمير الجمهورية" وقال ثالثٌ إن "الرئيس الهادي سلم الجمهورية والدولة للحوثيين"، وقال رابع إن الرئيس هادي ووزير دفاعه قاما بتدمير الجيش والمؤسسة الأمنية ثم هربا، وقال آخرون كثر ما هو أسوأ من ذلك، حيث نشر أحد الـ"كُتَّاب" الممولين من قبل النافذين السياسيين والماليين الموزعين بين الرياض وإسطنبول ومدن أخرى، نشر مقالةً مطولةً وصف فيها الرئيس هادي بأنه "كتلة من الحقد والكراهية ضد الشمال والشماليين"، ولم يحرص على توفير مفردات الشتيمة والاتهام ليوجهها للرئيس هادي بالحق والباطل.

في منشور العزاء الذي كتبته منذ يومين قلت إن الاقدار وضعت الرئيس هادي في زمانٍ ومكانٍ لا يصلحان لاختبار المصداقية والنزاهة والوفاء والرجولة، ومن هنا يصير الحكم العادل بحقه من رابع المستحيلات
والحقيقه لقد جاءت تلك الكتابات والتصريحات والأقاويل المتشفية بوفاة الرئيس والتي يتهجم فيها أصحابها على الفقيد بعيد وفاته لتبينَ أن الرجل وضع في المكانِ والزمانِ الخطأ، وبالتالي فكل ما ترتب على هذا الخطأ يصبح مفهوماً فهو يعبر عن أن الغالبية الساحقة من الطبقة السياسية والإعلامية الشمالية ظلت تتعامل مع أي قائد إداري أو سياسي جنوبي على إنه ضيفٌ وافدٌ ( غير مرغوب فيه على الأغلب) أو على إنه جسم غريب على صنعاء وبيئتها السياسية، ولو صار وزيرًا أو رئيس وزراءٍ أو حتى رئيسًا للجمهورية.

الذين لا يعرفون حقيقة التركيبة السياسية في الجمهورية العربية اليمنية التي صارت هي تركيبة الجمهورية اليمنية بعد العام 94م يعتقدون أن أزمات اليمن سببها رئيس غريب عن المنطقة يتهمه البعض منهم بالضعف السياسي وعدم الاهليه وعدم الكفاءة ويتمادى البعض ويتهمه بالمؤامرة على الشمال كما سبقت الإشارة، لكن الذين يعلمون الحقيقة ولا يجرؤون على قولها، يعلمون أن السبب في خراب اليمن ليس الرئيس هادي وإنما مراكز القوى التي تمددت عروقها عميقًا في تربة السياسة اليمنية ومؤسساتها الفاعلة والمتحكمة في صناعة القرار، وجاء الرئيس هادي كنبتة غريبة في بيئة سياسية طاردة لكل ما هو جديد، فكان مجيئه بسيطًا وكان ذهابه من السلطة بسيطًا وإن جاء بعد انقلاب وحصار وخذلان وتخلٍ من جميع أطياف الطبقة السياسية الشمالية.

لقد جاء الرئيس هادي عليه رحمة الله إلى مركز الرئاسة بلا مراكز قوى وبدون أي دعم قبلي أو حزبي أو عسكري وكانت مراكز القوى النافذة تراهن على تمرير مصالحها عبره فكان أنصار الرئيس صالح يقدمون له ما يشاؤون من مشاريع القرارات ليمررها لهم باعتباره يمثلهم في رئاسه الجمهوريه وكانت تيار التجمع اليمني للإصلاح يطلب من الرئيس هادي ما يقابل مطالب ذاك الطرف، باعتباره "من جاء به إلى الحكم" وبقي الرئيس بلا سند سياسي يدعمه وحينما كان يتخذ قرارًا بناء على ضغوط هذا التيار كان يتخذ مقابله قرارًا آخرَ لاسترضاء التيار الاخر وهكذا ظلت السياسة موقع تنازع بين مراكز القوى السياسية النافذة في الجمهورية العربية اليمنية، ولم ينجح الرئيس هادي في بناء تحالفٍ جديدٍ يعبِّر عمَّا كان يسميه هو بـ"اليمن الجديد" لأن القوى السياسية اليمنية ترفض الجديد وتعتبره مروقًا وخروجًا عن الفضيلة وتمردًا وزندقةً وكفرًا، وكأن لسان حالهم يقول " إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ".

وحتى مؤتمر الحوار الذي يتغنون به والذي حظي بدعم الأوساط الاقليمية والدولية كان لكلِّ قيسٍ من المشاركين فيه ليلاه التي يغني عليها، وكان كل تيار يسعى الى استعادة نفوذه وقوته أو بناء مصالحه من خلال المؤتمر، وبرغم بعض الأفكار النبيلة التي تقدم بها الرئيس هادي ومعاونوه من المثقفين والاكاديميين وبرغم الآمال الصادقة التي علقها على هذا المؤتمر، إلَّا إن مراكز القوى ظلت هي من يتحكم بالمخرجات ولم يكن لبعض تلك المخرجات الجميلة وهي قليلة لم يكن هناك مجالٌ لتنفيذها وجاء الانقلاب على الرئيس ليؤكد هذه الحقيقة.

إن الذين يتعاملون مع وفاة الر ئيس هادي بهذه السخرية والحقد والكراهية، لا يضرون الرجل بشيء ولا تعكس أقاويلهم وتهكماتها شيئا يتعلق بالرجل ومواهبه وكفاءته وقيمه وإخلاقياته وسيرته الذاتية، إنما يكشفون ذلك الفارق الهائل بين ثقافتين متناقضتين لا يجمع بينهما جامع، ثقافة تقوم على التسامح والتصالح واحترام الرأي المغاير، وثقافة تنطلق في نظرتها وتقييمها للأفراد من منطلق انتمائهم القبلي والمناطقي والجهوي، وهذه الثقافة لا يمكن أن تسمح ببناء وعي مجتمعي سليم معافا من أمراض العصبية والانتهازية والكراهية والعدائية والجهوية والعنصرية.

الرحمة والمغفرة لروح الرئيس عبد ربه منصور هادي.

وصادق العزاء والمواساة مجددا للأخوين ناصر وجلال عبد ربه منصور وكل آل منصور هادي وكل محبي الرئيس الفقيد على طول وعرض الساحة الوطنية
وإنا لله وإنا إليه راجعون