الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 06:31 م
لم يكن عبد ربّه منصور هادي، الذي غيّبه الموت قبل بضعة أيام، سوى تعبير عن السياسي اليمني الآتي من المؤسسة العسكرية بثقافة أقلّ من متواضعة لا تؤهلّه لحكم بلد شديد التعقيد مثل اليمن. جاء الرجل إلى موقع الرئاسة في 2012 بعدما أمضى أربعة عشر عاما نائبا لرئيس الجمهوريّة علي عبدالله صالح الذي اغتاله الحوثيون لاحقا عندما لم يعد رئيسا.
ارتكب عبد ربّه، مع آخرين طبعا، مجموعة من الأخطاء القاتلة جعلت في الإمكان الحديث حاليا عمّا إذا كان في الإمكان إعادة تركيب بلد مثل اليمن يمتلك أهمّية إستراتيجية كبيرة.
خلف عبد ربّه علي عبدالله صالح الذي اضطر إلى الاستقالة في شباط – فبراير 2012. بقي عبد ربّه رئيسا حتّى نيسان – ابريل 2022. وقتذاك، اكتشفت الدول المؤثرة في اليمن أنّ عبد ربّه لا يصلح لقيادة البلد. كان لا بدّ من الإتيان بمجلس القيادة الرئاسي الذي يضمّ ثمانية أعضاء على رأسهم الدكتور رشاد العليمي الذي يبدو واضحا أنّه يمتلك أداء أفضل، ولو بقليل، من أداء عبد ربّه ذي الطابع الكارثي على كلّ صعيد.
كيف وصل الراحل إلى موقع الرئيس في 2012 وقبل ذلك موقع نائب الرئيس في 1994؟ الأهمّ من ذلك كلّه، لماذا تحوّل عبد ربّه منصور جزءا من المأساة اليمنيّة بفعل الأخطاء التي ارتكبها والتي لا مجال لسردها كلّها نظرا إلى كثرة عددها؟
قبل كلّ شيء، لا بدّ من الإشارة إلى عبد ربّه منصور كان من محافظة أبين الجنوبيّة. كان محسوبا على الرئيس اليمني الجنوبي السابق علي ناصر محمّد (وهو من أبين أيضا) الذي أخرجه خصومه من السلطة في ما سميّ “أحداث يناير” من العام 1986. لجأ عبد ربّه، الذي شغل في الجنوب موقع نائب رئيس الأركان، إلى صنعاء إثر سقوط علي ناصر. صيف العام 1994، انضمّ عبد ربّه إلى المجموعة الجنوبيّة المحيطة بعلي عبد الله صالح إثر الخلاف الذي وقع بينه وبين علي سالم البيض زعيم الحزب الاشتراكي الذي أراد العودة عن الوحدة. أدى ذلك إلى حرب شعواء هُزم فيها الحزب الاشتراكي. مكّن ذلك عبد ربّه من الوصول إلى موقع نائب الرئيس بعدما ذهب بعيدا في دعم علي عبدالله صالح في حربه مع خصومه الانفصاليين.
سألت علي عبدالله صالح، وقتذاك، كيف يمكن أن يختار شخصا مثل عبد ربّه منصور نائبا له، خصوصا أنّه لا يمتلك أي مؤهلات من أي نوع؟ فأجابني بالحرف الواحد: “أريد شخصا لا يعمل مشاكل”. كان يلمّح إلى شخص علي سالم البيض، نائب رئيس مجلس الرئاسة بعد الوحدة، الذي وصفه بالشخصية “المعقدة” التي أرادت أن تكون “شريكا” في السلطة. لم تكن لدى علي عبدالله صالح أي رغبة في أن يكون لديه شريك جنوبي في السلطة في أي وقت.
بقي عبد ربّه منصور شخصا هامشيا طوال شغله موقع نائب رئيس الجمهوريّة. كان عليه تحمّل علي عبدالله صالح الذي تحوّل شيئا فشيئا إلى رئيس مزاجي يغضب من دون سبب على مساعديه ومستشاريه.
مع اضطرار علي عبدالله صالح إلى الاستقالة مطلع 2012، ظهر عبد ربّه منصور كشخصية من نوع آخر. لم يوفّر أي طريقة للانتقام من سلفه مركّزا بشكل خاص على رفض الرد على مكالماته من جهة وعلى تفكيك المؤسسة العسكرية من جهة أخرى. كان هدفه القضاء على أي نفوذ للرئيس السابق ونجله العميد أحمد داخل المؤسسة العسكريّة. كانت النتيجة القضاء على أي أمل بإعادة تركيب الجيش اليمني.
من حيث يدري أو لا يدري، وضع عبد ربّه نفسه في خدمة الحوثيين وذلك عندما رفض التصدي لهم في محافظة عمران، في طريقهم إلى صنعاء صيف 2014. نصحه علي عبدالله صالح بوقف الحوثيين في عمران نظرا إلى أن سقوطها يعني سقوط صنعاء. أرسل اليه أربعة مبعوثين، بينهم يحيى الراعي وعارف الزوكا، مع رسالة واضحة في هذا الشأن. لكنّ عبد ربّه رفض النصيحة قائلا أنّه “يرفض تصفية حسابات علي عبدالله صالح مع الحوثيين”. ما حصل بالفعل أن عبد ربّه غطّى تقدّم الحوثيين وسيطرتهم على العاصمة اليمنيّة في 14 أيلول – سبتمبر 2014.
في كلّ ما فعله عبد ربّه منصور، لم يمتلك حدّا أدنى من الثقافة السياسيّة التي تسمح له بأنّ يحكم اليمن. ذهب إلى توقيع “اتفاق السلم والشراكة” مع الحوثيين بعيد وضع هؤلاء يدهم على صنعاء. وقّع الاتفاق الذي حضره ممثل للأمم المتحدة موفّرا للحوثيين شرعية كانوا في أشد الحاجة إليها. لم يمنع ذلك الحوثيين من وضعه في الإقامة الجبريّة. لم يخرج من الإقامة الجبريّة في صنعاء إلّا بفضل وساطة لعبت فيها سلطنة عُمان دورا مهما عندما جعلت الحوثيين يتغاضون عن عملية فراره إلى عدن.
كان عبد ربّه منصور، في نهاية المطاف، جزءا من المأساة اليمنية. رجل لا علاقة له بالسياسة يتولى شؤون بلد يمرّ في أزمة مصيريّة افتعلها الإخوان المسلمون الذين أرادوا اقتلاع علي عبدالله صالح بغية الحلول مكانه. لم يكن علي عبدالله صالح ملاكا. كانت لديه أخطاء كثيرة، لكنّ الإخوان المسلمين الذين انقلبوا عليه لم يدركوا أنّهم يلعبون لعبة الحوثيين. لم يفكّر هؤلاء لحظة في مرحلة ما بعد علي عبدالله صالح.
من سوء حظ اليمن أن يوجد على رأسه في مرحلة معيّنة رئيس من طينة عبد ربّه منصور هادي. كان اليمن يستأهل شخصا أفضل من ذلك، يعرف ولو القليل عن اليمن نفسه وعن محيطه وعن أنّ الانتقام لا يصلح لأن يكون سياسة وذلك على الرغم من كلّ الإهانات ذات الطابع الشخصي التي تعرّض لها…