الأحد - 31 مايو 2026 - الساعة 01:13 م
لعل المنطق هو الجزء الأكثر أهمية للجنس البشري ، وبه مُيِّز الإنسان عن غيره من المخلوقات ، ولأهميته في دورة الحياة نستخدمه في تحديد كثير من المعالجات المعقدة للوصول إلى نتائج تبعدنا كثيراً عن التأثيرات السلبية الخطرة والانحيازية التي لا تلبي احتياجات المجتمع ، بل تلحق الضرر المباشر ، وغير المباشر ، والتي لا تُدَّرك نتائِجها والمشكلات المترتبة عليها وآثارها السلبية إلا عندما يتعرض محيطنا لانعكاسات نفقد معها البوصلة ، وتواريخنا أمثلة مشروحة لمن يريد التعلم .
التقليل أو الحد من النشاط البشري غير المؤهل لصنع واقع أفضل ،يعتبر من المفاهيم الحياتية المتوازنة التي تخفف من ضغوط الحياة ، وتلبي احتياجات المجتمع ، وعدم تعريض مصالحه للتدهور ، لِإرساء حالة من التوازن بين مشاعرنا الفياضة والمنطق .
إذاً تحقيق الأهداف لا يتطلب إلغاء المنطق ، بل يتطلب استخدامه كحاسبة لمراجعة مستمرة للمواقف ، حتى نستعين بها كمعلومة ، تمُد الباحث عن تحقيق الهدف من استخلاص الدروس ، لِأثرها الإيجابي في مواجهة الصعوبات في مراحلها الآنية والمستقبلية .
عندئذ نرى بان الجانب الفكري والثقافي لسلطة سياسية لها أهميتها ، وانعكاسها على مسار دعوة ، حيث تحول الدعوة إلى قوة سياسية دون نشوء الخلاف ، حتى لا نؤثر على مسار الدعوة ، وموقف الآخر منها ، بل يجب أن نعمل على اتساع مساحة القبول .
وذلك عندما ندرك بأهمية المجتمع الذي نمثله ، واحتياجاته المُتعدد ، حتى ونحن بعيدين عن حسيسها ولو بالشيء اليسير ، هنا يزداد الأهمية في استخدام المنطق ، حتى لا نخاطب مجتمع فاقد لأسباب الحياة ، فنصبح كعالم دين جاهل بمقومات الشخصية المحكومة للقيام بتأدية فريضة الصلاة المكتوبة من مريض فاقد الوعي ، هدفه الحفاظ على فكرة مركز نفوذه ، دون معطيات يقدمها تراعي مقتضيات البقاء للاستجابة بصورة واقعية ، تراعي ظروف المرحلة ، فهنا يفقد صفة الَّعلم .
عند هذا الحد نستخلص ما يكفي لتكوين صورة واضحة بما يحيطنا من جميع الجهات ، فلن نتجاوز الواقع كحدود يجب مراعاتها ، لأن الإنفاق في الجهد قد لا يحقق الفوائد المرجوة لِمواجه التحديات في سياق مرحلة يتطلب إعادة تأهيلها بمسار ملحمي آخر تسمى السياسة كعنصر تجديد ، ورغبة في التحديث الدائم بنسبة تزيد عن ثلاثة أرباع الدائرة .
عن طريق إعادة النظر في منهج ، كان مُعدَّ لمرحلة من تاريخ مجتمع ، وأصبحت في حاجة ماسة إلى تحديث لتكريس لغة الحوار ، بوصفها الحالة الطبيعية ، وتعويد المجتمع على النقد ، بدلاً من الركود لتصحيح ما علق بها من انحرافات للقبول بالاختلاف ، وحق الاختلاف والنقد ، حتى نتحلى بالشفافية والمكاشفة حتى يغطي كل شرائح المجتمع ، حتى لا نسمع حديث واحد مروي ، وان لا نتحسس من تشخيص أخطائنا .
لأن الانكفاء على الذات بات وضعاً لا يعبر عن روح العصر ، من هنا تبرز الحاجة إلى ثقافة الانفتاح ضمن أطار التنوع والاختلاف بما يلبي احتياجاتنا الآنية والمستقبلية ، هنا يتطلب التركيز على دور وسائل الإعلام المختلفة لفتح باب الاجتهاد .
إن رفض فكرة التغيير للحفاظ على كينونة البقاء ، هي فكرة غير مبدعة ، تعمل على إنتاج صكوك التملك ، مهما حاول الإعلاميون والسياسيون من نفيه بالتجميل ، لأنه من أولويات النظم السياسية المنغلقة ومن ثوابتها التي لا تقبل بتعديلها مع موجة رياح التغيير ، أي كان اتجاهها وشدتها حتى لو حطمت كيانها بحجج ومبرهنات يراها مجتمع من تمثله بأنها خاطئة ، لأنها تسلط الأضواء على الجوانب السلبية ، كفكرة للتجميع حتى دون تحضير مسبق لها ، كشحنة كهربائية فائضة تحقق مقاصد وغايات آنية ، صانعة البهجة ، ثم تنطفئ كإحدى مولدات الطاقة في محطاتنا .
أن ثقافة الانفتاح بما يلبي احتياجات المستقبل ،كرغبة أو ضرورة يمثل الوعي السليم للقبول بالتعدد والاختلاف كتأكيد على ضرورة الحوار كوسيلة للتواصل ، وإبراز الحاجة إلى ثقافة الانفتاح كطريق لتصحيح فكرة الأُحادية في الرأي التي كانت مقبولة في مراحل سابقة من تاريخ الأمم .
أصلاح الخطاب السياسي وما علق به من انحرافات ، هو بوصلة المرحلة ، بدلاً من الركون والاستسلام ؛ أن فهم الظروف لزمن متغير تمثل صورة من صور مكافحة البيروقراطية السياسية ، والإدارية الرتيبة التي نحافظ عليها بهدف الإبقاء على امتيازاتها المادية ، شبيهة بفكر أصولي يرفض التكيف ويُعارض التطور ، والتمسك بالماضي ، وعدم السماح بالاستماع إلى المعارف الإنسانية المتجددة .
فتحرر المَنطق من القوالب الجامدة في السياسة والإدارة شكل من أشكال التحرر من الإدمان ، حينها نستلهم دروس الماضي حين كان يفضل أن يدخل الجنوبيون في حوار شامل بكل علاته لنتجاوز فيه تواريخنا الدامية ، بدلاً من وحدة الضم والإلحاق ، ونحن أشتاتً ؛ هل مازالت هذه الفكرة تمثل لنا مرجعاً تاريخياً ساري المفعول كوصفة للحالة التي نعيشها بشكلها التراكمي ، كصورة من صور الحل ، وتعبير عن حل خلافاتنا الحادة وتبعاتها الإستراتيجية على المجتمع الذي نمثله .
أم إننا لا نملك الطاقة الذهنية الكافية للإقدام على خطوة كهذه ؟ ، لأن الاقتصار على طرح وحيد لتفسير ما يجري لا يكمل الصورة .
د. عارف محمد احمد علي