كتابات وآراء


الإثنين - 30 مارس 2026 - الساعة 12:53 م

كُتب بواسطة : توفيق جوزليت - ارشيف الكاتب



في خضم هذه اللحظة الإقليمية المعقدة، لا أتعامل مع المجلس الانتقالي الجنوبي كحالة سياسية عابرة، بل كنتاج لمسار طويل من الصراع والتراكمات، عايشت أهم محطاته، وراقبت تحولاته عن قرب. لذلك، فإن ما يتعرض له اليوم من ضغوط، خصوصًا من السعودية، لا يمكن قراءته بمعزل عن سياق أوسع يعيد رسم موازين القوى في المنطقة.

إن الدعوة إلى حلّ المجلس الانتقالي الجنوبي تثير إشكالًا قانونيًا جوهريًا، يتمثل في تعارضها مع مبدأ الشرعية المرتبطة بالتمثيل الشعبي، ومع قواعد القانون الدولي ذات الصلة، لا سيما مبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها. فالمجلس، بوصفه كيانًا نابعًا من سياق سياسي واجتماعي محدد، يستند إلى قاعدة تمثيلية وشعبية لا يجوز إلغاؤها أو تجاوزها بقرار صادر من طرف خارجي، لما في ذلك من مساس بقاعدة أساسية من قواعد القانون الدولي العام.

السؤال الحقيقي، من وجهة نظري، ليس: هل يستطيع المجلس الصمود؟ بل كيف يريد أن يعرّف نفسه في هذه المرحلة؟
هل كأداة ضمن توازنات إقليمية، أم كمشروع وطني مستقل الإرادة ؟
لقد التقيت خلال سنوات بعدد من القيادات الجنوبية، ولمست لديهم إيمانًا عميقًا بعدالة القضية، لكنني في المقابل رأيت كيف يمكن أن يتحول الدعم الخارجي، إن لم يُحسن التعامل معه، إلى قيد سياسي ناعم. وهنا مكمن الخطر.

التمكين، كما أراه، لا يبدأ من الخارج، بل من الداخل. من إعادة بناء الثقة مع الشارع الجنوبي، ومن فتح حوار حقيقي لا شكلي، يعترف بالتعدد، لا يقصيه. لأن أي مشروع لا يستوعب كل مكوناته، محكوم عليه بالهشاشة مهما بدا قويًا. …المجلس اليوم بحاجة إلى أكثر من مجرد إعادة ترتيب؛ هو بحاجة إلى مراجعة عميقة تتمحور في إعادة هيكلة تقوم على الكفاءة لا الولاءات .و فصل القرارالسياسي عن التأثيرات الخارجية . و بناء مؤسسات حقيقية، لا هياكل شكلية .و ضرورة ترسيخ الشفافية كخيار لا كشعار

أما العلاقة مع السعودية، فلا يمكن إنكار وزنها وتأثيرها، لكنني أرى أن الخطأ الأكبر هو التعامل معها إما بعدائية مطلقة أو تبعية كاملة. المطلوب هو إدارة مصالح بذكاء: لا صدام غير محسوب، ولا خضوع يفقد القرار معناه.

المعركة اليوم لم تعد فقط في الميدان، بل في الخطاب. والسؤال: هل يمتلك المجلس خطابًا قادرًا على إقناع العالم؟

خطاب يستند إلى القانون الدولي، ويطرح القضية الجنوبية كحق مشروع في تقرير المصير، لا كأزمة محلية عابرة. كما أن الانفتاح على المجتمع الدولي أولوية قصوى أما حصر العلاقات في محور واحد يضعف أي مشروع، بينما التنويع يمنح هامش حركة أوسع، ويكسر العزلة السياسية.

في النهاية، أرى أن المجلس الانتقالي الجنوبي يقف أمام اختبار حقيقي إما أن يبقى أسير الضغوط، أو أن يحوّلها إلى فرصة لإعادة التأسيس…وبصراحة، المعركة الأهم ليست مع السعودية، بل مع الذات.و مع القدرة على بناء مشروع وطني متماسك، لا يعتمد على الخارج، بل يستند إلى شعبه. ..فاستعادة الدولة، إن كانت هدفًا حقيقيًا، لن تأتي كمنحة… بل كنتاج لإرادة تُبنى من الداخل، وتُفرض على الخارج