الإثنين - 30 مارس 2026 - الساعة 12:57 ص
بدايةً، نرى حاجتكم للتمرد على ظنونكم، لأن بعضها إثم. فليس هناك من يصوركم مهزومين أمام من أسميتموهم القوى الشمالية، لأنكم لم تكونوا يومًا طرفًا في أي معركة مع تلك القوى، بل كنتم مجرد أداة في معارك تدور رحاها بين قوى أخرى استخدمتكم. ولأنكم ببساطة شركاء مع تلك القوى، ومعارككم معها لا تتجاوز الوظائف والجبايات وغيرها من أمور الفساد، وهي معارك ليست فيها مهزوم بقدر ما فيها مغبون أحيانًا. والشريك لا يقاتل شريكه طالما وقد تقبل تلك الشراكة ووصفها بأنها تمثل انتصارًا سياسيًا، وطالما منحته ما لم يحلم به!!
محاولات تصوير السعودية كعدو لكم نراها شطحة تشبه شطحاتكم في زمن خطاب السيطرة والأمر الواقع والإدارة الذاتية، وهي شطحة تحتاج منكم إلى إعادة نظر. ورحم الله امرءًا عرف قدر نفسه، فجماعتكم ليست في مقام تمنحكم فيه الرياض شرف ندية الاختلاف، فأنتم مجرد جماعة أوجدتها الإمارات لخدمة مشروعها الشاذ في اليمن والمنطقة. أما الرياض، فخطابها اليوم يثبت واقعية موقفها. والدليل قبولها بالتعاطي معكم حتى بعد كارثة استسلامكم لعبث الكفيل بكم في حضرموت!
من حقكم السعي (شخصاً أو منطقة) لوراثة الزبيدي، فهذا طموح مشروع لكم ولغيركم، مع أنني لا أرى أي موروث للرجل يستحق الصراع سوى الدعم المالي. وللوصول إلى ذلك، وجب الاستفادة من الدروس التي ما زلتم تعيشون تداعياتها. فتوظيف خطاب صادق متزن للوصول إلى هذه الغاية أراه أفضل من تكرار خطابكم مع الإمارات، والذي بنيتموه على توظيف القضية الجنوبية توظيفاً سيئاً، وأقمتموه على استغفال اتباعكم ، وأصبحتم من خلاله تمثلون حالة متفردة تدعي إلى الحرية والاستقلال بمفردات خطاب يعوم في مستنقع التبعية المفضية إلى العبودية!
تعلمون، أخي، أنكم ومن يلتفون حولكم حالياً، سواء مناطقياً أو حزبياً، لستم وحدكم من تسعون للاستحواذ على ميراث عيدروس (المادي) فهناك أطراف أخرى تنافسكم على نفس المسعى، وسترهقكم لأنها تتبنى نفس خطابكم بكل علله. وأعتقد أن المخرج لكم هنا ولمنافسيكم يكمن في تجاوز أخطائكم بانتهاج خطاب وطرح وسلوك وطني، فهذا في اعتقادي هو المنفذ الوحيد للخروج من دائرة الصراعات المناطقية والقروية التي كان لجماعتكم شرف إيقاد نيرانها التي يكتوي بها الجنوب اليوم!
تعلمون جيدًا أنكم ذهبتم إلى الرياض تلبية لدعوة، وكان بإمكانكم عدم تلبيتها لو أنكم كنتم تحملون صدقًا وقضية، خصوصًا أنها جاءت بعد مواجهات عسكرية عبثية زجت بكم الإمارات فيها. ولكن حقيقة مشروعكم في التواجد في السلطة هو من يحكم خطواتكم، وهو الأمر الذي أدركه الخبث الإماراتي ووظفكم بموجبه. وهو أيضًا الذي لم يغيب عن الفطنة السعودية، فجاءت خطوة الرياض بالإبقاء على بعض بقاياكم المناطقية في المشهد الوظيفي والسياسي للشرعية، مع أن ذلك يتعارض بل ويمثل خطورة على سير المعركة الرئيسية التي تخوضها الرياض. أما إعادة سبب ذهابكم إلى السعودية إلى ما أسميتموه احترامها للقضية الجنوبية، فهو توظيف غير موفق، لأن الرياض لم تكن يومًا خصمًا للقضية الجنوبية، والدليل أنها سلمت الجنوب كليًا للإمارات التي بدورها سلمته لجماعتكم ووفرت لكم كل الظروف بقمعها لكل القوى الجنوبية الرافضة لها، ومع ذلك أخفقتم في إثبات حضوركم كدولة!
حديثكم عن ما وصفتموها بالقوى المعادية للجنوب، تقولون إنها استغلت قربها من مراكز القرار في الرياض، فأوغرت صدور السعوديين ضد جماعتكم. حديث لا يجوز أن يخرج من ضيف ما زال في ديار مضيفه، فحديثكم هذا مثل اتهام واضح لمؤسسة القرار السعودية بأنها مخترقة، وهو ما سيتطلب منكم إثباته في حالة ما تعاطى معكم الأشقاء في الرياض بنفس نزق وعدوانية عقليتكم!
إصراركم على صناعة الأعداء للجنوب وقضيته أمر لن يوصلكم لمحبة الرياض ولن يوصلكم إلى حلمكم في الانفراد بحكم الجنوب. وسبق لكم أن جربتم ذلك وذقتم مرارة الفشل، ومن الخطأ إعادة التجربة. وأعتقد أنكم في وضعكم الحالي بحاجة إلى طلب الغفران لخطيئاتكم ضد الجنوب وقواه السياسية والاجتماعية، وبحاجة أكثر إلى الشراكة الجنوبية، وإلى خطاب عقلاني موضوعي. فإنتم اليوم في حضرة دولة لديها مؤسساتها المتخصصة، وليس جماعة تقاسمكم خطاب الزيف وتزوير الحقائق!
نقدر لكم محاولاتكم تبرئة جماعتكم من تدخل الإمارات في صناعتها، رغم أن حيثيات الواقع تدحض دفاعكم ذلك بفحوى خطابكم وبمقابلاتكم، وبالكشوفات المالية الفصلية والسنوية المرفوعة من جماعتكم للوحدة الخاصة الإماراتية والخاصة بتصفية القُدم والعُهد المالية، وبالسلاح الذي تجوبون به الشوارع وتقمعون به المتظاهرين من أبناء الجنوب المطالبين بإغلاق السجون الخاصة والسرية، والإفراج عن المعتقلين وعن مصير المخفيين، والمطالبين بأبسط مقومات الحياة. والمؤكد أنكم تتذكرون كل تلك الأفعال التي مارستها جماعتكم في أثناء شهر العسل الذي جمعكم برشاد العليمي وجماعات مجلسه، ممن تنعتونهم في خطابكم بالإخوان المسلمين، حين تصلكم التوجيهات بالإساءة إلى الرياض، وبالشركاء حين يخدم ذلك مصالح كفيلكم!
إصراركم على أن جماعتكم تمثل حاملاً للقضية الجنوبية، وأن لها شركاء جنوبيين، داء فتك بالزبيدي وسيفتك بكم إذا لم تتلافوه بالعلاج، وهو أمر يؤكد أنكم لم تتعلموا من درس حضرموت، ولم تتعلموا من نتائج لجان حواركم المتكررة التي مارستم بها الفهلوة على بعض قوى الجنوب طوال سنوات عبثكم، والتي فشلت بالإجماع، ولم يتحقق لكم منها إلا استقطاب بعض ممن ينتمون إلى قراكم ومناطقكم، ومن يتهافتون للوصول إلى الوظيفة العامة للدولة التي مكنكم منها مجلس رشاد العليمي كثمن لحمايته في عدن وغيرها. ولا نحتاج لتذكيركم بدعوات حواركم التي مزقتم بها وحدة الكثير من القوى الجنوبية على أساس مناطقي، والتي صنعتم لها كيانات وهمية موازية، الغرض منها إضعاف تلك القوى، مستندين إلى أموال الإمارات التي تتنكرون لفضلها اليوم تقربًا إلى الرياض التي مؤكد أنها ليست غافلة عن سلوكياتكم المضطربة هذه!!
خطاب الحرية والاستقلال له مفرداته وخطوطه ومنصاته المعروفة، وحامل راية هذا الخطاب أيضًا له صفاته وأسلحته المعروفة. فلو أعدتم قراءة رسالتكم الأخيرة، لأدركتم البون الشاسع بينكم وبين تلك المفردات وتلك الصفات. فخطابكم الذي إن وليتم فيه وجوهكم شطر الأراضي المحتلة، ملأتموه بوعود التطبيع وإقامة علاقات الإخاء مع الصهاينة، وإن وليتم وجوهكم به شطر المسجد الحرام، لغمتموه بعبارتكم المشهورة: "نحن بيد الملك سلمان يضرب بنا حيث يريد". خطاب يؤكد عدم استقراركم نفسيًا وسياسيًا. فكيف لكم أن تكونوا بيد نتنياهو ويد الملك سلمان حفظه الله في وقت واحد؟ ألا ترى معي أنكم هنا قد رقصتم على السلم سياسيًا؟
المملكة العربية السعودية دولة محترمة، ولكي تكسب احترامها وثقتها، عليك أن تتبنى خطابًا يحترم نفسه أولًا. فلو أنك أوردت، ولو بشكل عابر، اعترافًا ولو جزئيًا بجميل الإمارات عليكم طوال عشر سنوات، وصناعتها لجماعتكم وفرضها على الشارع الجنوبي، لكسبت في اعتقادي بعض احترام المملكة، لأنها سترى فيك حينها بعض الوفاء الذي يجب تقديره، حتى وإن كان ذلك الوفاء لمن استخدمكم للأضرار بها وبأمنها وبمعركتها التي تخوضها ضد المشاريع التي تهدد أمن المنطقة واستقرارها!
ختامًا، ننصحكم ومن معكم بالكف عن توظيف مفردات خطاب التودد وإظهار الانكسار وإعلان الاستعداد للتبعية، والاتجاه إلى تبني مفردات خطاب المطالبة بالحق الذي لا يخشى صاحبه لومة لائم. فقد جربتم خطاب "شكرًا إمارات الخير" و"سيدي محمد بن زايد"، ورفعتم راية الإمارات فوق راية الجنوب الذي تدعون زورًا تمثيله، وملأتم صفحاتكم وحركاتكم وسكناتكم بصور بن زايد وعائلته، وكانت نهايتكم ما أنتم فيه اليوم. فحاولوا ولو لمرة واحدة التعاطي مع مفردات خطاب يرفع من قدركم ويحترم قانونية ومشروعية القضية التي ما زلتم تمارسون ادعاء تمثيلها والحديث باسمها!
عبد الكريم سالم السعدي
عضو قيادة الحراك الجنوبي السلمي
رئيس تجمع القوى المدنية الجنوبية
29 مارس 2026م