كتابات وآراء


الخميس - 26 مارس 2026 - الساعة 09:37 م

كُتب بواسطة : يعقوب السفياني - ارشيف الكاتب



بين وثائق الأمر الواقع ورمزية السيادة:

يتداول البعض طرحًا مبسّطًا يقول: لماذا يتحسس قطاع واسع من الجنوبيين من علم الجمهورية اليمنية أو من صورة رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، بينما نفس الرموز مطبوعة على الجوازات والبطاقات الشخصية وشهادات الدراسة؟

هذا الطرح يتجاهل الفارق الجوهري بين وثائق تُستخدم بحكم الأمر الواقع وبين رموز تُرفع بوصفها إعلانًا سياسيًا وسياديًا.

الوثائق الرسمية الحالية ليست نتاج خيار شعبي حر بقدر ما هي أدوات قانونية وإدارية تفرضها المنظومة القائمة لتنظيم حركة الأفراد ومعاملاتهم. استخدام الجواز أو البطاقة ليس استفتاءً سياسيًا، بل ضرورة معيشية لا يمكن الاستغناء عنها في الظروف الراهنة.

أما العلم فليس وثيقة خدمة عامة، بل رمز سيادة وهوية ومشروع سياسي. رفع علم ما يعني — في العرف السياسي — الإقرار بشرعيته والانتماء إلى الإطار الذي يمثله. لذلك فإن مطالبة الجنوبيين بإنزال علمهم ورفع علم الجمهورية اليمنية ليست مسألة شكلية، بل تعبير عن فرض تصور سياسي بعينه على الفضاء العام.

الاستناد إلى وجود الشعار الجمهوري على الوثائق الرسمية لتبرير حضوره القسري في المجال الرمزي يشكّل خلطًا بين مستويين مختلفين تمامًا:
مستوى الإدارة اليومية للدولة القائمة، ومستوى الصراع على الشرعية والهوية ومستقبل الكيان السياسي.

التاريخ الحديث يُظهر أن شعوبًا كثيرة استخدمت وثائق دول لم تكن تعبّر عن تطلعاتها السياسية، وفي الوقت ذاته حافظت على رموزها الخاصة باعتبارها تعبيرًا عن مشروعها الوطني.

بالتالي، فالمسألة ليست حساسية من رمز بحد ذاته، بل اختلاف في تفسير ما يمثّله هذا الرمز سياسيًا وتاريخيًا.

#يعقوب_السفياني