كتابات وآراء


الجمعة - 13 مارس 2026 - الساعة 03:25 م

كُتب بواسطة : أحمد عبداللاه - ارشيف الكاتب



هناك حرب أخرى مفتوحة بين باكستان وأفغانستان، لها جذور وأسباب متعددة، لكن الحكاية التي تهم القارئ تعود إلى زمن الحرب الباردة.

في ثمانينيات القرن الماضي، لم تكن أفغانستان ساحة صراع ديني، وإنما نقطة ارتكاز في ميزان القوى العالمي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي. دعمت واشنطن، عبر باكستان والسعودية ودول أخرى، المجاهدين الأفغان، وتم حشد الكثير من الشباب المسلم. كان الهدف واضحاً: مواجهة النفوذ السوفييتي.

لم تكن “طالبان” قد ظهرت آنذاك، لكنها وُلدت لاحقاً بدعم باكستاني في مرحلة الفوضى التي أعقبت انسحاب السوفييت وانهيار الدولة الأفغانية. فالبيئة التي صنعتها الحرب الباردة لم تتبدد بانتهائها، بل تحولت إلى واقع سياسي واجتماعي قائم بذاته، منفصل عن اللحظة التي أنشأته، وممتد في آثاره وتداعياته وتشعباته.

ومن تلك البيئة انطلقت شرارات متعددة ما تزال نيرانها مشتعلة… فالحروب نادراً ما تنتهي عند أهدافها الأولى.
وهنا لا يعود الحديث تحليلاً تاريخياً فحسب، بل واقعة يعترف بها مسؤولون كبار.

إذ لخّص وزير الدفاع الباكستاني خواجة محمد آصف تلك الحقبة حين سُئل عمّا إذا كانت باكستان قد دعمت منظمات متطرفة، فقال، حرفياً، في مقابلة مع سكاي نيوز:

“حسناً، لقد كنّا نقوم بهذا العمل القذر لصالح الولايات المتحدة لثلاثة عقود…”

اعتراف لا يتعلق بطالبان أو بتنظيم آخر، بل بوظيفة جيوسياسية كاملة.. دول إسلامية عملت داخل صراعات القوى الكبرى، تؤدي أدواراً تتجاوز مصالحها المباشرة، ثم تواجه لاحقاً نتائج تلك الأدوار داخل حدودها.

وفي سياقٍ موازٍ، قال ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، في مقابلة مع صحيفة واشنطن بوست عام 2018، رداً على سؤال حول دعم المملكة للمتطرفين:

“قمنا بالاستعانة بالإخوان المسلمين خلال الحرب الباردة، كلانا (يقصد السعودية وأمريكا) قمنا بذلك”، و”هذا ما أرادت منا أميركا القيام به”.

وعندما سُئل: هل كانت غلطة؟ أجاب: “لو عدنا بالزمن فسنفعل الأمر عينه”. وهو تصريح يعكس منهجاً في التفكير له جذور تاريخية، و يمكن تطبيقه في ظروفٍ مشابهة، بدلاً من البحث عن أدوات بعيدة عن توظيف الدين.

بين التصريحين تتكشف طبقة أعمق من التاريخ الحديث: فالدين لم يتحرك منفصلاً عن السياسة، بل داخل منظومة توازنات دولية جعلت من العقيدة، أحياناً، أداة ضمن صراع عالمي.

ولأن التاريخ لا يعمل بمنطق اللحظة، فإن الأدوات التي تُصنع لمرحلة مؤقتة لا تختفي بانتهائها، وإنما تتحرر من سياقها وتتحول إلى قوى قائمة بذاتها. وما كان جزءاً من حسابات الحرب الباردة أصبح لاحقاً عنصراً دائماً في أزمات إقليمية وصراعات داخلية، حيث وجدت الدول الإقليمية نفسها، بوعي أو بانجراف، توظّف الدين في صراعات النفوذ داخل الفضاء الإسلامي نفسه.

وهكذا تحول المجال الذي يفترض أن يكون فضاءً حضارياً مشتركاً إلى ساحة نزاعات داخلية، حيث لا يدور الصراع حول العقيدة، بل حول السلطة والنفوذ باسمها.

الأيديولوجيات ذاتها لا تنتصر طويلاً، وكذلك التحالفات لا تبقى ثابتة. لكن ما يبقى دائماً هو الأثر العميق: دول منهارة أو مُنهكة، حروب، مجتمعات ممزقة تتحول إلى وقود للتاريخ، ونزوح يتحول إلى قدر دائم.

في النهاية، لا تدفع القوى الكبرى الكلفة الوجودية، ولا تتحملها القوى الإقليمية، ولا حتى الجماعات التي تصوغ خطاب التعبئة. وحدها الشعوب تدفع الكلفة الباهظة.

ويبقى السؤال: من يعوّض الشعوب المقهورة؟
أحمـــــــــــدع