أخبار عدن

السبت - 03 أكتوبر 2026 - الساعة 01:10 م بتوقيت اليمن ،،،



في ذاكرة عدن رجالٌ لم تصنعهم المناصب، بل صنعتهم سنوات العمل والانضباط والخبرة وحسن التعامل. رجالٌ بدأوا من الفصل الدراسي، وعاشوا تفاصيل التعليم من الداخل، ثم ارتقوا في مدارج المسؤولية حتى أصبحوا جزءاً من تاريخ المؤسسات التي خدموا فيها.

ومن هؤلاء يبرز الأستاذ أبوبكر سالم عقبة، أحد أبناء كريتر الذين ارتبط اسمهم بالتربية والتعليم والإدارة، ثم امتدت تجربته إلى قطاع الطيران والعمل الإداري والتجاري، في مسيرة مهنية عكست جانباً من حيوية الإنسان العدني وتنوع مجالات عطائه.

وُلد أبوبكر سالم عقبة في كريتر – عدن في 13 سبتمبر 1930م، في منزل عائلي شُيّد عام 1891م، بشارع السبيل، قسم «ألف»، رقم 3، في حي القطيع، وكان المنزل مسكناً لعميد الأسرة أبوبكر عوض عقبة.

في مدارس عدن تلقى تعليمه الأول؛ فدرس في مدرسة السيلة الابتدائية بكريتر، وأنهى المرحلة الابتدائية عام 1943م، ثم واصل دراسته في ثانوية الرزميت، المعروفة اليوم بثانوية لطفي أمان، قبل أن يلتحق بمركز تدريب المعلمين في الطويلة، حيث بدأ يتشكل وعيه المهني وتتبلور علاقته بميدان التربية.

وفي 1 يناير 1949م، دخل رسمياً سلك التعليم، مدرساً في المدرسة الابتدائية للبنين بالتواهي. وكان ذلك العام محطة لافتة في تاريخ التعليم العدني، إذ التحق فيه بالسلك التربوي عدد من الأسماء التي أصبحت لاحقاً من الشخصيات المعروفة في الحياة التعليمية والثقافية، ومنهم لطفي جعفر أمان، وأحمد عبده رمزو، وجابر محمد سعيد عقربي، وشفيقة خليل، وصفية حميدان.

ولم يكن التعليم بالنسبة لعقبة مجرد وظيفة يؤديها، بل مساراً مهنياً صعد فيه خطوة بعد أخرى. وإلى جانب التدريس، تولى سكرتارية لجنة ألعاب القوى، جامعاً بين العمل التربوي والنشاط الرياضي.

وفي 1 مايو 1956م، انتقل إلى مدرسة السيلة الابتدائية بكريتر مديراً بالوكالة خلفاً للتربوي محمد الباقر، ثم عُيّن في 1 يوليو 1959م مديراً لمدرسة المعلا الابتدائية خلفاً للتربوي علي عبد ألياس.

ومن الإدارة المدرسية اتسعت دائرة تجربته، فعمل في مجالات متعددة داخل جهاز التربية والتعليم، شملت الإدارة المدرسية والتوجيه الفني والتوجيه الإداري والتخطيط التربوي، وكان التوجيه الإداري يعرف آنذاك بمسمى «التفتيش».

وفي يوليو 1964م، عُيّن مسؤولاً عن التفتيش الإداري في الإدارة العامة للمعارف، قبل أن يصل إلى واحدة من أبرز محطات حياته التربوية؛ ففي 13 أكتوبر 1969م صدر قرار وزاري بتعيينه عميداً لمعهد تدريب المعلمين بمدينة الشعب.

وكانت سنوات العمل والتأهيل قد صنعت منه إدارياً يعرف طبيعة العمل التربوي من أكثر من زاوية. فقد تلقى عدداً من الدورات التأهيلية في الداخل والخارج، واكتسب خبرة واسعة في إدارة المدارس والعاملين، وتميز بقدرته على بناء علاقات إنسانية متوازنة مع المعلمين والموظفين.

وقد عُرف عنه حسن إدارة التعامل البشري ودماثة الخلق والمرونة في معالجة المواقف، وهي صفات جعلته يحظى باحترام العاملين معه. وكان استقرار الهيئة التعليمية في المدارس التي أدارها أحد المؤشرات التي عكست نجاحه الإداري؛ إذ كانت كثرة انتقال المدرسين من المدرسة تُحسب على المدير في التقييم الإداري آنذاك.

وكان لعقبة حضور خاص لا تخطئه الذاكرة؛ ابتسامة هادئة لا تفارق وجهه، وغليون يرافقه في كثير من الأوقات، إلى جانب شخصية اتسمت بالهدوء والبساطة والقدرة على التواصل مع الآخرين.

لكن مسيرته لم تتوقف عند حدود المدرسة أو الإدارة التربوية. ففي 25 يونيو 1973م انتقل إلى قطاع الطيران، بعد استيعابه في طيران اليمن الديمقراطي «اليمدا» ضابطاً للعلاقات العامة.

وفي «اليمدا» وجد نفسه أمام تجربة إدارية جديدة، فتولى لاحقاً مدير شؤون الموظفين بالوكالة ونائب مدير العمليات الجوية، كما كان مسؤولاً عن المطبوعات الدعائية والنشرات الخاصة بالشركة، مستفيداً من خبرته الطويلة في الإدارة والعلاقات العامة.

وبعد مغادرته عدن إلى تعز، بدأ في 2 نوفمبر 1985م مرحلة جديدة من حياته المهنية بالتحاقه بشركتي بلقيس للدواجن وبلقيس للتنمية الصناعية، حيث عمل مراقباً عاماً لفروع الشركة في أنحاء الجمهورية، ثم أصبح نائباً للمدير العام لشركة بلقيس للتنمية الصناعية.

وبعد تقاعده، واصل نشاطه المهني من خلال التحاقه بمؤسسة خدمات الإخوان للنقل الجوي «باسكو»، وهي المؤسسة التي أسسها حسن عبده باهارون، وكانت تعمل في مجال الخدمات السياحية.

وفي حياته الخاصة، ارتبط بأسرة باجرش المعروفة في الوسطين التجاري والاجتماعي، وله ابن واحد هو عمرو، وابنتان، إحداهما عملت موجهة فنية في التربية والتعليم، فيما اختارت الأخرى الحياة الأسرية.

هكذا امتدت رحلة أبوبكر سالم عقبة من مدرسة السيلة في كريتر إلى مدارس التواهي والمعلا، ومن الإدارة المدرسية والتفتيش التربوي إلى عمادة معهد تدريب المعلمين، ثم إلى أروقة «اليمدا» وقطاع الأعمال.

لم يكن مجرد موظف تنقل بين مواقع العمل، بل كان ابناً لمرحلة عدنية آمنت بأن بناء الإنسان يبدأ من المدرسة، وأن الإدارة الناجحة تقوم قبل كل شيء على احترام الإنسان.

وتبقى سيرته صفحة من صفحات الذاكرة التربوية والإدارية لعدن؛ سيرة معلم بدأ من الفصل الدراسي، ثم حمل خبرته معه إلى مواقع أوسع، وظل اسمه مرتبطاً بمدينةٍ كانت المدرسة فيها أكثر من مكان للتعلم، وكانت المؤسسة فيها مساحة لصناعة الإنسان وبناء المستقبل.

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة