منوعات

الأحد - 27 سبتمبر 2026 - الساعة 12:47 م بتوقيت اليمن ،،،


في ذاكرة عدن أسماء نسائية لم تكن حياتها مجرد محطات عابرة، بل صفحات مضيئة في تاريخ المدينة؛ نساء حملن مسؤولية التعليم، وانخرطن في العمل العام، وأسهمن في الحركة الوطنية والنسوية، وتركْن وراءهن أثراً يتجاوز سنوات أعمارهن.

ومن بين هذه الأسماء تبرز زهرة هبة الله علي، التي اختزلت في أربعين عاماً فقط مسيرة حافلة بالعلم والتربية والعمل الوطني والنشاط النسوي والثقافي، قبل أن يختطفها المرض في ريعان عطائها.

النشأة في كريتر

وُلدت زهرة هبة الله علي في 18 يناير 1946م، ونشأت في أسرة عدنية عريقة استوطنت كريتر جيلاً بعد جيل.

وكان والدها هبة الله من المهتمين بالثقافة والعمل العام، وأسهم في تأسيس مكتبات عامة في عدن، كما عُرف بمواقفه الوطنية ودعمه للأحرار اليمنيين الذين لجؤوا إلى عدن عام 1944م.

تلقت زهرة تعليمها الابتدائي والمتوسط في مدارس عدن، ثم التحقت بـ مدرسة القديس يوسف العالية (البادري) في كريتر، بينما واصلت صديقتها ورفيقة دربها عائدة علي سعيد دراستها في كلية البنات بخورمكسر.

ومنذ سنواتها الأولى بدت ملامح شخصية تجمع بين الطموح العلمي والحضور الاجتماعي والانفتاح على قضايا المجتمع.

من إدارة الهجرة إلى ميدان التربية

في 13 يناير 1966م التحقت زهرة بالعمل في إدارة الهجرة، لكنها سرعان ما انتقلت إلى سلك التدريس، لتجد في التعليم المجال الذي ستكرس له جانباً كبيراً من حياتها.

وباستثناء فترة قصيرة أعقبت أحداث 20 مارس 1968م، انتقلت خلالها إلى الشطر الشمالي من اليمن، عادت زهرة إلى عدن في صيف عام 1970م، واستأنفت مسيرتها التعليمية.

ومنذ عام 1971م واصلت عملها في قطاع التعليم حتى وفاتها عام 1986م، وتبوأت خلال هذه الفترة عدداً من المسؤوليات والمواقع التربوية.

طالبة تتقدم الصفوف

كان التفوق العلمي أحد أبرز ملامح شخصية زهرة؛ فبعد عودتها إلى عدن عادت إلى مقاعد الدراسة، وخاضت امتحانات الثانوية العامة، فحلت ثانية ضمن العشرة الأوائل على مستوى الجمهورية.

ولم يكن التفوق غريباً عن أسرتها؛ فقد شمل التكريم في عيد العلم شقيقتها جميلة هبة الله وشقيقها طاهر هبة الله، إلى جانب زهرة.

ثم انتقلت إلى مرحلة أكاديمية جديدة، فالتحقت بـ كلية الآداب في جامعة القاهرة، قسم الفلسفة، وحصلت على درجة البكالوريوس بتقدير جيد جداً.

وهكذا عادت إلى عدن وهي تجمع بين التأهيل الأكاديمي والخبرة التربوية، لتواصل حضورها في ميدان التعليم والعمل العام.

معلمة واسعة الثقافة

لم تكن زهرة أسيرة تخصصها أو وظيفتها؛ فقد امتلكت اهتمامات متعددة، وأتقنت العربية والإنجليزية، كما درست الاختزال (Short Hand)، واهتمت باللغة الجزيرية.

وانعكست ثقافتها وقدرتها اللغوية في مشاركاتها العامة، ولا سيما الكلمات التي ألقتها في المحافل النسوية على المستويين العربي والدولي، حيث ظهرت قدرتها على التعبير والحضور أمام الجمهور.

في صفوف العمل الوطني

دخلت زهرة ميدان العمل الوطني والسياسي وهي في مقتبل العمر، فالتحقت بـ الجبهة القومية (NLF) عام 1965م، وكانت يومها في التاسعة عشرة، وحملت في العمل التنظيمي الاسم الحركي «نعمة».

ومنذ ذلك الحين ارتبط اسمها بالنشاط الوطني والنسوي، وأسهمت في الحراك الذي شهدته عدن خلال مرحلة النضال ضد الاستعمار البريطاني.

وتقديراً لدورها، حصلت لاحقاً على ميدالية مناضلي حرب التحرير.

حضور بارز في الحركة النسوية

كان للمرأة موقع أساسي في مسيرة زهرة، فواصلت نشاطها في العمل النسوي قبل الاستقلال وبعده، وأصبحت من الوجوه النسائية الحاضرة في مؤسسات الحركة النسوية.

وفي المؤتمر العام الثاني للاتحاد العام لنساء اليمن في نوفمبر 1978م، انتُخبت عضواً في المجلس المركزي للاتحاد العام لنساء اليمن.

كما أعيد انتخابها في المجلس المركزي خلال المؤتمر الاستثنائي للاتحاد المنعقد يومي 7 و8 مارس 1981م.

وبذلك رسخت حضورها في العمل النسوي، وأسهمت في التعبير عن قضايا المرأة وتعزيز مشاركتها في الحياة العامة.

من العمل النسوي إلى مجلس الشعب المحلي

امتدت تجربة زهرة إلى ميدان العمل المحلي، فانتُخبت عضواً في مجلس الشعب المحلي بمحافظة عدن خلال الدورة الانتخابية الثالثة عام 1983م.

وكانت هذه التجربة امتداداً لمسيرتها في التعليم والعمل الوطني والنسوي، ودليلاً على حضورها في أكثر من مجال من مجالات الحياة العامة.

أوسمة وميداليات
حصلت زهرة خلال حياتها على عدد من الأوسمة والتكريمات، من أبرزها:
ميدالية مناضلي حرب التحرير.
وسام الإخلاص في يوليو 1984م.
وسام الآداب والفنون في 10 سبتمبر 1985م.
وهي أوسمة ارتبطت بمسيرة جمعت بين العمل الوطني والتربوي والثقافي والنسوي.

الرحيل في الأربعين
في الساعة السادسة من صباح 8 يناير 1986م، رحلت زهرة هبة الله علي في أحد مستشفيات لندن، بعد معاناة مع المرض.

كانت في الأربعين من عمرها، لكنها تركت وراءها تجربة ثرية امتدت عبر التعليم والعمل الوطني والنشاط النسوي والثقافي والاجتماعي.

وقد عبّر زوجها، المناضل الوطني سلطان أحمد عمر، عن قسوة اللحظة التي فارقته فيها، بينما كان شقيقها نور الدين موجوداً إلى جانبها.

ورحلت زهرة تاركة خمسة أبناء، ورصيداً من العمل والكتابات والذكريات التي بقيت حاضرة لدى رفاقها ومحبيها.
شهادات رفاق الدرب

لم تغب شخصية زهرة عن شهادات معاصريها؛ فقد كتب المفكر عمر الجاوي عنها في كتاب التأبين، متناولاً شخصية إنسانية متميزة خاضت معركة إثبات الذات، ووازنت بين مسؤوليات الأسرة وطموحات البناء والعطاء.

كما كتب أحمد محمد قعطبي نصاً بعنوان «زهرة كما عرفتها»، استعاد فيه مشوار العمل الوطني الذي جمعهما منذ عام 1965م، وأشار إلى اسمها التنظيمي «نعمة» وإلى عدد من رفيقاتها في ذلك النشاط، ومن بينهن فطوم ونجوى وثريا ونجيبة.

امرأة غاب جسدها وبقي أثرها
لم تكن زهرة هبة الله علي مجرد معلمة، ولا مجرد ناشطة نسوية أو مناضلة وطنية؛ فقد جمعت في تجربتها بين العلم والتربية والثقافة والعمل العام والنشاط الوطني والنسوي.

رحلت في سن الأربعين، قبل أن تستكمل ما كان يمكن أن تضيفه إلى عدن وحياتها العامة، لكن قصر العمر لم يمنعها من ترك سيرة طويلة في معناها، ثرية في مضامينها، جديرة بأن تحفظها ذاكرة المدينة.

#دليل_عدن_السياحي
#عدن_تاريخ_تراث_ثقافة_سياحة